بقلم الدكتور حميد النهري | أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بطنجة
ليست المحاماة مجرد مهنة حرة تقدم خدمات قانونية، بل هي إحدى الركائز التي يقوم عليها صرح العدالة في الدولة الدستورية. ولذلك، فإن أي نقاش حول واقعها أو مستقبلها ينبغي أن ينطلق من منطق الإصلاح لا من منطق التبخيس، لأن الفرق بينهما كبير؛ فالنقد يسعى إلى التقويم، بينما يستهدف التبخيس تقويض المكانة وإضعاف الدور.
ولا خلاف اليوم حول أن هيئة المحامين، شأنها شأن باقي المؤسسات، مطالبة بتطوير آليات الحكامة وتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالإصلاح ضرورة لا يمكن التنصل منها، وهو السبيل الكفيل بالحفاظ على ثقة المجتمع في المهنة. غير أن تحويل بعض الاختلالات إلى ذريعة للنيل من المحاماة كمؤسسة مستقلة يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة هذا الخطاب وخلفياته.
فالمتتبع يلاحظ أن بعض الأصوات التي تتصدر حملات انتقاد المحاماة لا تتردد في رفع سقف الخطاب عندما يتعلق الأمر بهذه المهنة، لكنها تلتزم الصمت أو تخفف من حدة مواقفها عندما يتعلق الأمر بقطاعات أخرى تدور حولها تساؤلات أكبر بشأن الحكامة أو الاحتكار أو تدبير المال العام. وهذه الانتقائية تفرغ مبدأ المحاسبة من مضمونه، وتحوله من قيمة دستورية إلى أداة للضغط على مؤسسات بعينها.
وفي المقابل، يبرز خطاب يربط إصلاح العدالة بضرورة إضعاف بعض المهن المستقلة، بدعوى تحسين مناخ الأعمال وجذب الاستثمار وتعزيز ثقة المؤسسات الدولية. غير أن هذا الطرح يغفل حقيقة جوهرية مفادها أن المستثمر، قبل المواطن، يبحث عن قضاء مستقل ودفاع حر وإجراءات قانونية واضحة، لا عن مؤسسات مهنية فاقدة لاستقلاليتها أو خاضعة لموازين القوة.
إن الدول التي نجحت في بناء منظومات عدالة قوية لم تحقق ذلك عبر تقليص أدوار المحامين أو إخضاع الهيئات المهنية، وإنما من خلال ترسيخ استقلال المؤسسات وتوازن السلطات، باعتبار أن العدالة لا يمكن أن تؤدي وظائفها في غياب دفاع مستقل قادر على حماية الحقوق والحريات.
وفي السياق نفسه، لا يمكن إغفال أن المحاماة مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بإصلاح بيتها الداخلي، وتعزيز الشفافية داخل مؤسساتها، وتطوير آليات التواصل مع الرأي العام. كما أن الدفاع عن استقلال المهنة لا يبرر الانزلاق نحو خطاب انفعالي أو ردود أفعال قد تمنح خصومها مبررات إضافية للنيل منها. فالمرافعة الهادئة، والحجة القانونية الرصينة، والالتزام بأخلاقيات الحوار، تبقى أدوات أكثر فاعلية في كسب ثقة المجتمع والدفاع عن القضايا المهنية.
إن مستقبل المحاماة لا ينفصل عن مستقبل دولة القانون. فكلما كانت هذه المهنة قوية ومستقلة ومسؤولة، كانت العدالة أكثر قدرة على حماية الحقوق وضمان المحاكمة العادلة. أما إذا تحول النقد إلى وسيلة لإضعاف المؤسسات المستقلة، فإن الخاسر في النهاية لن يكون المحامي وحده، بل المواطن الذي يبحث عن ضمانة حقيقية للدفاع عن حقوقه أمام القضاء.
إن الإصلاح الحقيقي لا يقوم على هدم المؤسسات، وإنما على تقويتها ومساءلتها في الآن نفسه. فالمحاماة، بما تمثله من قيمة دستورية وتاريخية، تستحق نقاشا مسؤولا يوازن بين واجب الإصلاح وضرورة صون استقلالها، لأن العدالة لا تستقيم إلا بمؤسسات قوية، مستقلة، وقادرة على أداء رسالتها في خدمة المجتمع وسيادة القانون.