مريم جمال الإدريسي | محامية بهيئة المحامين بالدار البيضاء
تُعد المحاماة من المهن القانونية التي تضطلع بدور جوهري في إقامة العدل وحماية الحقوق والحريات وضمان حقوق الدفاع. ولذلك فإن استقلالها وحريتها لا يشكلان مجرد امتياز مهني، وإنما يمثلان ضمانة أساسية من ضمانات المحاكمة العادلة وسيادة القانون. فالاستقلال المهني للمحامي يقتضي أن يمارس مهامه بعيداً عن كل أشكال التأثير أو الضغط أو التدخل غير المشروع، بما يضمن قدرته على الدفاع عن مصالح موكليه، والتعبير عن مواقفه القانونية، والاضطلاع برسالته في إطار من المسؤولية والالتزام بأحكام القانون وقواعد المهنة.
ومن هذا المنطلق، فإن استقلال المحاماة لا يمكن فصله عن استقلال مؤسساتها المهنية وتنظيمها الذاتي، باعتبارهما من الآليات التي تتيح للمهنة تدبير شؤونها والدفاع عن مصالحها الجماعية، مع احترام الاختصاصات المنوطة بكل مؤسسة من مؤسساتها. وإذا كان من المشروع دستوريا وقانونيا أن يثار النقاش حول القوانين المنظمة للمهنة، وأن تُناقش مضامينها وآثارها وانعكاساتها على حقوق الدفاع واستقلال المحاماة، فإن هذا النقاش يفترض أن يتم في إطار مؤسساتي مسؤول، يحفظ للمهنة وحدتها ويضمن تعدد الآراء داخلها.
وتزداد أهمية هذا المبدأ عندما يتعلق الأمر بقضايا ذات طبيعة مصيرية بالنسبة إلى مستقبل المهنة، حيث تصبح المسؤولية الجماعية للمحامين والمحاميات أكثر حضورا، ويغدو احترام المؤسسات المهنية وقراراتها جزءا من متطلبات الانتماء إلى هذه المؤسسة العريقة. ولا يعني احترام القرار المؤسساتي إلغاء حرية الرأي أو مصادرة حق الاختلاف. فالمؤسسات المهنية القوية هي التي تسمح بتعدد الآراء، وتتيح لأعضائها التعبير عن مواقفهم ومناقشة القرارات وتقييمها ونقدها، شريطة أن يتم ذلك وفق الآليات التي تتيحها القواعد المنظمة للمهنة.
ومن ثم، فإن ثمة فارقا ينبغي التمييز فيه بين حرية الرأي باعتبارها حقاً أصيلا، وبين المسؤولية المهنية التي تفرض احترام المؤسسات والآليات الجماعية التي ارتضاها أصحاب المهنة لتنظيم شؤونهم. فالاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة مع المؤسسة، والنقد لا ينبغي أن يصبح وسيلة لإضعافها، كما أن ممارسة الحق في التعبير لا تعني بالضرورة التنصل من الالتزامات التي تفرضها العضوية في هيئة مهنية منظمة.
وفي هذا السياق، يطرح تدبير القضايا المصيرية التي تهم المحاماة سؤالا أساسيا يتعلق بالتوازن بين استقلال المحامي كفرد، واستقلال المهنة كمؤسسة، وبين حرية التعبير من جهة، والالتزام بالقرارات المهنية الجماعية من جهة أخرى. وهو توازن دقيق لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تغليب منطق المؤسسات، واحترام قواعد الحوار الداخلي، والاحتكام إلى الآليات المهنية والقانونية المتاحة لكل محامٍ أو محامية يرى أن قرارا معينا يحتاج إلى مراجعة أو تصحيح أو إعادة نظر.
لقد أبان المحامون والمحاميات، خلال مختلف المحطات التي عرفتها المهنة، عن قدرة كبيرة على التضامن والتعبئة دفاعا عن استقلالها وعن حقوق الدفاع وعن مكانة المحامي داخل منظومة العدالة. ولم تكن هذه المواقف، في جوهرها، مرتبطة بمصالح مهنية ضيقة، وإنما اتصلت دائماً بقضايا أوسع ترتبط بحماية الحقوق والحريات وضمان شروط المحاكمة العادلة. كما أن التضحيات التي تحملها عدد كبير من المحامين والمحاميات، سواء على المستوى المهني أو المادي، خلال فترات التوتر والاحتجاج، تعكس حجم القناعة التي تحكمت في مواقفهم، وهي قناعة بأن الدفاع عن استقلال المهنة لا يمكن أن يتحقق إلا في إطار جماعي ومؤسساتي.
ومن هنا، فإن المحافظة على وحدة الصف المهني لا تعني إلغاء الاختلاف، وإنما تعني إدارة الاختلاف بطريقة مسؤولة، تمنع تحوله إلى عامل لإضعاف المؤسسات أو تقويض القرارات الجماعية. فالاختلاف داخل البيت المهني حق مشروع، بل قد يكون ضروريا لتصحيح المسار وتطوير الأداء. لكن تحويل الخلاف إلى مواجهة مع المؤسسة أو تقديمه للرأي العام باعتباره بديلا عن العمل المؤسساتي قد يؤدي، عن قصد أو غير قصد، إلى إضعاف الموقف الجماعي للمهنة.
كما أن اللجوء إلى الإعلام ليس في حد ذاته أمرا محظورا، غير أن المسؤولية تقتضي تقدير الظرفية والآثار المحتملة لأي موقف أو تصريح، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقضية تخوض بشأنها المؤسسات المهنية مسارا جماعيا. إن قوة المحاماة لا تقاس فقط بقدرة أفرادها على التعبير عن آرائهم، وإنما كذلك بقدرتها على بناء مواقف جماعية، واحترام مؤسساتها، وإدارة خلافاتها الداخلية بما يحفظ للمهنة هيبتها واستقلالها.
ولذلك، فإن الدفاع عن استقلال المحاماة يقتضي في الوقت نفسه الدفاع عن استقلال مؤسساتها، لأن إضعاف المؤسسات المهنية لا يمكن أن يكون مدخلا حقيقيا لتعزيز استقلال المهنة. إن المرحلة التي تعيشها المحاماة اليوم تفرض قدرا أكبر من الحكمة والمسؤولية، وتستدعي تغليب الحوار المؤسساتي على الاصطفاف، والنقاش المهني على التجاذب، والمصلحة العامة للمهنة على الاعتبارات الشخصية أو الظرفية.
فالمحاماة، بحكم رسالتها، مطالبة بأن تقدم نموذجا في احترام القانون والمؤسسات، وأن تجعل من اختلاف الآراء مصدر قوة لا سببا للانقسام. وفي النهاية، لا تعني وحدة المهنة أن يتطابق الجميع في الرأي، وإنما أن يظل الاختلاف محكوما بقواعد الاحترام والمسؤولية، وأن تبقى المؤسسات هي الإطار الطبيعي للنقاش واتخاذ القرار ومراجعة المواقف.
إن استقلال المحاماة مسؤولية جماعية، وصيانته لا تتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بالممارسة اليومية، وباحترام قواعد المهنة ومؤسساتها، وبالحرص على أن تظل حرية الرأي منسجمة مع مقتضيات المسؤولية المهنية. ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي التأكيد عليها هي أن الاختلاف لا يهدد وحدة المهنة، وإنما غياب إدارة مؤسساتية للاختلاف هو ما قد يحول التنوع في الآراء إلى مصدر للانقسام.
ومن أراد إصلاح قرار أو مراجعة موقف، فالمؤسسات تظل الفضاء الطبيعي لذلك. ومن أراد الدفاع عن استقلال المحاماة، فليدافع عنها أيضا من خلال حماية مؤسساتها ووحدتها وكرامتها. فالمحاماة قوية باستقلالها، ومؤسساتها قوية بوحدة أعضائها، ووحدة المهنة لا تعني الصمت، وإنما تعني أن يكون الاختلاف مسؤولا، والنقد بنّاء، والاحتكام دائما إلى القانون والمؤسسات.