بقلم – ناهد الطون
جلست نرمين كعادتها وسط حشد من البشر في زاوية المقهى وهي غير ابهة بوجود أحد وأخدت جريدة الصباح من الطاولة المجاورة دون طلب إذن فالجرائد أصبحت مثل الجراد منتشرة في كل مكان بدون أية قيمة، تحسسنا بالقيء أكثر مما تبعث الفرح فينا، مجزرة في كل مكان، حتى أسلوب الكتابة أصبح رديئا وكأن الأقلام بدأت تكتب بالدم بدل الحبر، لم يحرك العنوان الكبير فيها رغبة القراءة فنفس الكلمات ونفس المواضيع يقومون بتغيير العنوان فقط وجعله أشرس من قبل “الكيان الصهيوني يشن هجوما جديدا على حيفا “قلبت الصفحة الثانية و الثالثة ولكن نفس الأحداث لا شيء جديد ،الى أن جاء النادل ليكسر هذا الروتين وقال :
-سيدة نرمين هل أحضر لك طلبك المعتاد أم ستغيرينه؟
– لا نفس الطلب وإذا كان بإمكانك أن تجعل القهوة أمرّ من قبل يكون أفضل
– حسنا ،طلباتك أوامر
وقبل أن يذهب طلبت منه إحضار جريدة جديدة، ذهب النادل وعاد بسرعة البرق وهو يحمل في يده جريدة جديدة وقال لها ونظرات الأسف بادية عليه وقال:
- أسف سيدة نرمين لم أكن أريد أن أذكرك بهذه الجريدة ولكن هناك خبر أظنه يهمك، تناولتها منه في استغراب و دون أي كلمة كرد لنادل وقبل أن تفتحها تذكرت أنها كانت أهم صحفية ودائما الصفحة الأولى تكون مركز اهتمامها ولكن الأقدار تتغير كما تتغير الأحلام و الفصول، وكما تتغير ملامح الرضيع مع السنين وتذكرت ذلك اليوم الملعون الذي قذفت فيه بطلب الإستقالة في وجه رئيس التحرير وقالت له “انا لست قلما فارغا أنت حبره، كوني صحفية لها مركزها، لي الحق بكتابة ما يثيرني وبالقضية التي تهمني لا بما تأمر حضرتك وإن كان ما أؤمن به وأكتبة سيجرني نحو السجن أو القبر لا يهم، فالأهم هو أن أرصد الخبر كما هو لا عكسه وأظن أن البطالة خير لي من رؤية وجهك القذر”واستدارت خارجة من المكتب ولكن قبل أن تفتح الباب قالت له “أنا جد سعيدة لأنني حررت نفسي ” جاء صوت النادل مثل قنبلة نووية تهبط على مدينة نائمة في سبات عميق وتهدم ما تبقى من معالمها، ووضع فنجان القهوة وعاد من حيث أتى وأعادها من ذكرياتها لتفتح الجريدة قرأت الخبر وبسرعة رمت بالأوراق فوق الطاولة غير مصدقة ولكنها سرعان ما عاودت فتحها وكأنها غير متأكدة من الخبر “موت الصحفي كريم ناجي بطعنات حادة إثر هجوم على منزله ليلة أمس” قرأت العنوان لأكثر من مرة وكل مرة تقول سأقرأ عكسه ولكنه ثابت في مكانه بخطوطه العريضة وبلونه الأسود حاولت أن تتمالك أعصابها ولكن هول الصدمة أقوى من كل شيء، وصرخت بصوت مرتفع جعل الناس ينظرون إليها باستغراب فطالما كانت شخصيتها هادئة تثير تساؤل الكل عن سره واليوم ها هي تفضح السر وتنهار أمامهم وهي باكية وقالت “كريمممم لا هذا مستحيل،كيف؟ !!ومتى؟ !واين وولماذا؟ “وبدت جل هذه الاسئلة بليدة بلا معنى وصراخها مجرد اصوات لا غير . بدأت تجول بين نظرات الجميع علها تجد جوابا، رغم يقينها أنه ليس هناك أي جواب فموت الصحافة يبقى سر ويدفن معه وجوابه يعرف يوم البعث، كل ما يكتب من أسباب وتبريرات هي مجرد كلمات لإشباع تساؤلات القراء فأغلبهم يقبل الخبر كما هو دون محاولة لمعرفته و التأكد من صحته. عادت من زوبعتها وفتحت الجريدة وأمعنت النظر في الصورة المرفوقة للخبر هي صورة كريم تبدو باهتة وكأنها عادت من الجحيم لتشيع جنازة صاحبها، وتذكرت أخر لقاء جمعها به يوم قدمت طلب الإستقالة وذهبت لتودعه ساعتها قال لها :
- سأفتقدك كثيرا
- وأنا ايضا، ولكننا سنتقابل مجددا فاستقالتي لا تعني نهاية العالم، وليكن في علمك أنني سأكون عاطلة عن العمل بمعنى أن وقتي كله ملكِ وانا كل ملكك .
- ربما لن تكون هناك فرصة ثانية، ولكن رائحة عطرك سترافقنى في رحلتي إلى الجحيم
- لا تكن متشائما وابتسم فالحياة صعبة بما يكفي لا تزيدها صعوبة بأفكارك. وقبل أن تغادر قبلته قبلة على عجل وقالت له:
- لا تحاول أن تتصل بي لأني لا أريد أن أستقبل أية مكالمة وسأنتظرك الليلة ،لا تتأخر وبعدها خرجت مسرعة قبل أن تسمع رده ،قال بهدوء وهو ينظر إليها راحلة ومتحررة من كل قيد
- اننا جميعا ندفع ثمن حريتنا في هذه الحياة…