الجريدة – فؤاد السعدي
من سوء حظ المكناسيين أن الانتخابات الجماعية الأخيرة أفرزت وجوها لم يكن الهدف من دخولها عالم السياسة خدمة الصالح العام، وتغيير وجه المدينة القاتم. بل لتحقيق مآرب ذاتية ضيقة، عبر الاستغلال البشع لموقعها الاعتباري كنائب لرئيس المجلس الحضري لمكناس. منصب يُفترض من صاحبه التحلي بروح المسؤولية والأمانة، والتخلي عن أساليب تصفية الحسابات الشخصية مع الخصوم السياسيين التي لن تخدم المدينة في شيء.
وللأسف، أن هذه الوجوه لم تأتي إلى السياسة عن طريق مواقفها السياسية الراسخة، ولا من منطلق غيرتها على أحوال المدينة وأهلها، ولا حتى من باب نضالها السياسي المستميت. بل لعبت الصدفة، وحب الانتقام و“الشكارة”، لعبتها لتصير النكرة السياسية مُعرفة، ونائبا لرئيس جماعة في حجم جماعة مكناس. وأمام غياب “الكارزما”، وقوة المواقف، لم يكن أمامها من بديل كي يشعر بها الناس، سوى بإحداث حالة صدام شخصي مع شخصيات سياسية معروفة من جهة، ومع السلطة من جهة أخرى، ثم الوقوف أمام وسائل الإعلام، وادعاء الشجاعة والبطولة الزائفة، وإيهام الجميع أن جوهر الصراع هو على المبادئ والأخلاق ومحاربة الفساد.
هذه وجوه التي ابتلي بها الشارع السياسي المكناسي، تفتقد إلى العقل والكياسة والرؤية في التعامل مع ظروف الواقع، وتبحث لنفسها عن وضع جديد، وعن شرعية وجود مفقودة، إما من خلال السياسية أو الصحافة أو ابتداع صراعات وهمية مع خصوم سياسيين معروفين. يذكرنا هذا السلوك بحكايات “دون كيشوت دي لامنشا”، الذي بلغ به الهوس حداً جعله يفكر في أن يعيد دور الفرسان، وذلك بمحاكاتهم والسير على نهجهم حين يضربون في الأرض ويخرجون لكي ينشروا العدل وينصروا الضعفاء. فأعدَّ عدته للخروج بأن استخرج من ركن خفيٍّ بمنزله سلاحاً قديماً متآكلاً خلَّفه له آباؤه، فأصلح من أمره ما استطاع، و أضفى على نفسه درعاً، ولبس خوذة و حمل رمحاً وسيفاً و ركب حصاناً أعجف هزيلاً. مع فارق بسيط هو أن قصة “دون كيشوت” تقود من حيث غرابتها نحو خلق مفارقات تؤزم وضع الفرد بالعالم، وتجعله أمام تجربة فكر يغاير الواقع ويكشف هشاشة العلاقات البيذاتية في عالم يسوده الخداع وتتعذر فيه الحقيقة. في حين تسعى مثل هذه الوجوه السياسية إلى أن تخلق لنفسها مكانا في عالم السياسة، بابتداع صراعات تعتقد أو تتوهم أنها المدخل لمحاربة الفساد والمفسدين بالمدينة. وتقوم باتهام أشخاص وإدانتهم بناء على مجرد الشكوك بأنهم استعملوا الشطط في ممارسة سلطاتهم عندما كانوا في مواقع تسيير الشأن المحلي، في حق مقريين منهم بالرغم من أن الواقعة معروضة على أنظار محكمة جرائم الأموال بفاس وهي الوحيدة من لها الحق في الإدانة أو البراءة. وحتى يقول القضاء كلمة الفصل في هذه القضية. فليس من نبل الأخلاق أن نبحث دائما عن “لوحة تنشين”، أو ذلك الحائط المائل الذي نوجه إليه النقد والاتهامات هربا من الحديث عن المسؤول الحقيقي، مع محاولة بيع الوهم للناس من خلال التسويق لمقولة متزعم حركة محاربة الفساد ورعاته، والدخول في نزاع قضائي أمام المحكمة الإدارية ليس بغرض الطعن في لائحة ما. ولكن الهدف هو الانتقام من وكيلها على خلفيات قضية شخصية جارية أمام المحاكم ليس إلا. فأين النزاهة والمصداقية التي يدعو إليها هذا السياسي؟ أ فبمثل هذه الممارسات المراهقة يمكننا أن نطمئن على مستقبل مدينة مكناس؟ المضحك أن هذا السياسي المبتدأ صدق أنه أصبح مؤثرا في الساحة السياسية بمكناس، في حين لا يعدو أن يكون أرنبا في حلبة السباق الانتخابي يؤدي دورا ثم يغادر. وهذا ما جعلنا نشبهه بـ “دون كيشوت” فكما صدق هذا الأخير أنه أصبح فارسا في زمن انقرض فيه الفرسان، فكذلك هذا السياسي الذي صدق أنه أصبح رقما مهما في عالم السياسة بالحاضرة الإسماعيلية وهو في الحقيقة ليس سوى فارس بلا جواد…