فؤاد السعدي – الجريدة
شكلت انتخابات الرابع من شتنبر منعطفا هاما في المسار الديمقراطي لبلادنا، تمكنت خلاله من أن تنتزع اعترافا دوليا على أن المغرب ماض في السكة الصحيحة. وكأي انتخابات في العالم، فالنتائج المتحصل عليها لم تأتي من محض الصدفة بل كان نتيجة عمل قامت به بعض الأحزاب السياسية وتمثيلياتها على المستوى المحلي، وفق الإمكانيات المتاحة والهوامش المتوفرة القادرة على السماح بالظفر بأكبر عدد من المقاعد التي تخول لها المشاركة في صناعة القرارات وتنفيذ السياسات العمومية.
وحتى وإن اختلفت التكتيكات التي انتهجتها الأحزاب السياسية خلال حملاتها الانتخابية سواء في المدن أو البوادي فجميعها كان يصب في اتجاه واحد هو استمالة الناخب وكسب صوته. ورغم أن نسبة المشاركة إجمالا لم تتجاوز نصف الكتلة الناخبة إلا أن ثلاث أحزاب فقط هي التي استطاعت أن تتجاوز عتبة المليون صوت مع العلم أن الغالبية العظمى من المغاربة التي أدلت بصوتها غير منتمية، وغير مؤطرة حزبيا، وتأثرها بالسياسة فقط من خلال ما يتم الترويج له إعلاميا أو عن طريق العالم الافتراضي. في الوقت الذي بقي معه الإعلام العمومي بجميع أصنافه غائبا واقتصر دوره في التطبيل والحث على المشاركة بطرق مبتذلة لا تساعد على تنوير المواطن حتى يتمكن من معرفة الغاية من التصويت وعلى من. الأمر الذي أثر على نسبة المشاركة لأن الناخب تعذر عليه التميز والاختيار بين برامج الأحزاب ولو إنها في الغالب كانت مستنسخة ومتشابهة.
أما بخصوص نسبة المشاركة التي كانت ضعيفة ومتباينة من دائرة انتخابية إلى أخرى فقد اعتبرها المحللون السياسيون مسألة يجب الخوض في أسبابها، ومناقشة تداعياتها، لأن هذا الامر قد يعطل عجلة المسار الديمقراطي الذي اختاره المغرب، ويثقل صيرورة التمنية. وهنا لن نتحدث عن إشكالية العزوف عن المشاركة في عملية الاقتراع على المستوى الوطني، بل سنقتصر على تحليل هذه الظاهرة محليا أن أمكن تسميتها بهذا المسمى، وفقا للأرقام والمعطيات الرسمية المتحصل عليها، وهنا سنأخذ مدينة مكناس نموذجا، و الذي قدر عدد المسجلين بها باللوائح الانتخابية ما مجموعه 221.093 ناخب، فقط 74.634 منهم من أدلى بصوته وانخرط في العملية الانتخابية. في حين 146.459 أثارت العزوف وعدم المشاركة، ولهذا الرقم أكثر من دلالة. ولعل من بين الأسباب البديهة هو احتكار نفس الوجوه المحروقة سياسيا بالمدينة، والمرتبط مسارها السياسي بالفساد، للمراتب الأولى في لوائح الأحزاب المتنافسة، الأمر الذي رسخ في ذهن الناخب المكناسي فكرة أنه لا شيء يدعو للتفاؤل بمستقبل المدينة مع بقاء هذه الوجوه التي ارتبط تسيرها للشأن المحلي بالعبث والاستبداد وتحقيق المصالح الشخصية الضيقة. لدرجة اشتهرت مكناس في عهد تسييرهم بالعديد من الفضائح المرتبطة باستباحة المال العام، وأصبحت معها الجماعة الحضرية قبلة لمفتشي وزارة الداخلية، وقضاة محكمة جرائم الأموال. وما إن تغادر لجنة للتفتيش حتى تحل أخرى. واقع بات معه الآمل في رؤية مكناس جديدة يتلاشى في ضل حملات لا حضارية غلب عليها الطابع الفوضوي والعبثي كان يقوم بها في الغالب نساء وشباب وأطفال وأشخاص من الذوي السوابق لا يربطهم بالحزب سوى أجرة العمل اليومية التي يوفرها لهم وكيل اللائحة. ولم تحِد هذه الحملات عن الطرق الكلاسيكية البائدة التي تعتمد على أساليب الترغيب لا الإقناع. كلها أشياء جعلت أكثر من نصف الكتلة الناخبة بمكناس تختار العزوف برغم من أنه اختيار سلبي ولا يحق لهذه الفئة من الناخبين الاحتجاج والتباكي على مآل هذه المدينة في حالة ما إذا تولى زمامها من يفسد فيها.
فمكناس لا تحتاج فقط لمنتخبين نزهاء غيورين على المدينة، مبادرين لخدمة مصالحها ومصالح أهلها. بل كذلك إلى ناخبين يعرفون واجبهم وواجب مدينتهم عليهم. لا أن يتلكؤوا عن تأدية دورهم وبعد ذلك يعودوا للصياح والعويل والحسرة، في وقت لا يصلح لا لهذا و لا لذاك. وقد سبق أن انتقدنا السياسيين ولمناهم على ما اقترفت أيدهم في حق هذه المدينة. أما اليوم فاللوم على الناخب العازف، لأنه والسياسي الفاسد سواء، لا فرق بينهما، سوى أن السياسي خطط ونفذ، والعازف قعد وتلكأ. وما هكذا كان المكناسيون. كانوا أهل همة وشجاعة، لا قوم خنوع وإذلال. وغدا لا يحق لهم الشكوى لأنهم حكموا على أنفسهم بالخرس حتى موعد اقتراع آخر عسى أن يستوعبوا الدرس وينفضوا عنهم غبار المذلة.
أما بخصوص الأصوات المعبر عنها فقدرت بـ 74.634 ألغي منها 10.114 صوت مما يفيد أن مكنات المال وشراء الذمم ووسائل التنافس الغير الشريفة كانت مطروحة بشكل قوي، وهذا النوع من الوسائل سيظل موجودا لصعوبة محاصرته ولاعتماده أساسا على تعاقدات خفية يصعب ضبطها وفق المساطر القانونية، مهما كانت إرادة محاربتها كبيرة لأنه مسار طويل ينتظر المغرب للقطع مع هذه الممارسات. لتبقى فقط نسبة 25.153 من المصوتين المناصرين والمتعاطفين مع لائحة العدالة والتنمية من أنقذت مكناس من السكتة القلبية عندما منحوا ثقتهم لهذا حزب. هذه الثقة التي يستحقها مقارنة بغيره، لم تأتي من محض الصدفة أو من فراغ، بل جاءت نتيجة عمل هيكلي قاعدي استعمل فيها حزب “المصباح” الماكينة الاخوانية المكونة أساسا من الحزب وحركة التوحيد والإصلاح والجمعيات والنقابة والجيش الكتروني الذي تم تجنيده ليقوم بدوره على مستوى العالم الافتراضي واستغل أخطاء المجلس السابق وسمعة أعضائه “والفاهم يفهم”.
ومع ذلك تبقى القراءة المستقبلية للشأن المحلي مرهونة بطبيعة التحالفات، وفيما إذا كان حزب العدالة والتنمية سيحافظ على الوعود التي قطعها على نفسه أمام المكناسيين في محاربة الفساد بالجماعة الحضرية لمكناس إن تمكن من الفوز بالأغلبية المطلقة التي ستجنبه وضع يده في يد من يتحملون خراب هذه المدينة، وضياع مجدها وعزتها. الأكيد أن القليل من أبناء مكناس إن نجح هذا الحزب في أداء مهمته بتفان ومصداقية، هم من سيرجع لهم الفضل في إنقاذ مدينتهم من شر الانتهاز والاستبداد. وعلى بوانو الرئيس المفترض أن يكون حذرا وهو يضع يده في يد حليفه، وان لا ينسي تجربة 2003 – 2009 ويعي أن الحليف قد يضمر الشر أكثر من الخصم. وأن الفوز الكاسح الذي منحه المكناسيون لحزبه كان من اجل القطع مع الفساد لا التطبيع معه في شكل تحالفات كان الاستغناء عنها أسلم من انتقادات الشارع الذي قد يعتبرها خيانة لإرادة المواطن المكناسي. هي رسائل نرفعها لمن يهمهم الأمر، ولنذكر أن مكناس ليست قوية بأهله فقط بل بتاريخها كذلك، فقط القليل من المكناسيين من يعرفه، وهم فقط دون غيرهم من تحركوا لإنقاذه…