فؤاد السعدي – الجريدة
لم يكن يعتقد أكثر المتفائلين أن يكون التصويت على عبد الله بوانو كرئيس للجماعة الحضرية لمكناس بالإجماع. على اعتبار أن وكيل لائحة حزب “الحصان” سبق أن قدم ترشيحه للرئاسة المجلس كذلك للسلطات أياما قبل انعقاد جلسة التصويت على الرئيس ونوابه، ليفاجئ الجميع خلال ذات الجلسة بالتصريح علنا عن سحب ترشيحه، والإعلان على أن حزبه سيساند ويدعم الرئيس المنتخب الجديد لجماعة مكناس بدون قيد أو شرط. الشيء الذي يفيد أن المجلس البلدي سيشتغل خلال ولايته القادمة بدون معارضة، مما يعد سابقة خطيرة في تاريخ العمل السياسي، الذي يستوجب عادة وجود أغلبية ومعارضة في نفس الوقت. فمفهوم المعارضة والأغلبية في نظام سياسي ما، مهما بلغت درجة مثاليته من المفاهيم المتلازمة والمرتبطة. بمعنى أن هذه الأغلبية دائما يواكبها ويلازمها مفهوم المعارضة، لكونها الآلية والأداة التي من خلالها يتم كبح جماح سلطة أي أغلبية مهما كانت. فلا ديمقراطية إذن بدون المعارضة، التي تعمل على تقويم ومحاسبة الأغلبية في حال التقصير. لذا فهي تعد جزء أساسي وشرعي في النظام السياسي الديمقراطي، وقيمة سياسية ديمقراطية تفرض نفسها على أية عملية سياسية ناضجة تكون فيها هي الوجه الآخر للأغلبية، والمرآة التي ترى هذه الأخيرة أداءها ومردودها من خلالها.
فما حصل خلال جلسة التصويت على رئيس المجلس البلدي ونوابه بمكناس يوم 16 من شتنبر الذي يصادف ذكرى معركة “واد بوفكران” التي تؤرخ لبسالة الاجداد، يزكي الطرح على أن منتخبي حزب “الحصان” الذين خرجوا بخفي حني خلال انتخابات الرابع من شتنبر، لا يفقهون شيئا لا في مفهوم السياسة، ولا في قواعد الديمقراطية. ويبيعوا المدينة في أول محطة لهم، واضفوا بهذا السلوك ميوعة على العمل السياسي بمكناس، ورسموا صورة قاتمة على أن مستقبل المدينة في ضل هذا المجلس الذي ستغيب عنه المعارضة سيكون مبتذلا وبئيسا لا روح فيه. وحرموا بذلك الأغلبية من فرحة تواجد المعارضة معها تمثل خصما سياسيا عنيدا. فما قام به هذا الحزب ليس له سوى تفسير من اثنين، إما عجزه عن تأدية دوره في المعارضة، أو خشيته من تقليب الملفات القديمة على بعض من صقوره. وبهذا يمكن الحكم على أن علاقة هذا الحزب مع المجلس الحالي، ستكون إجمالا اقرب إلى علاقة الخضوع والتبعية، تحت مبررات كثيرة، تستخدم في الغالب بوصفها ذريعة لتبرير الضعف والاستنجاد لتفادي فتح العديد من الملفات النتنة التي حيكت في عهد تدبيرهم للشأن المحلي وربما ستكون هذه الحيثية بمثابة نقطة قوة الرئيس الجديد وأغلبية لإجبار معارضيه على الخضوع والقبول بالسيطرة. وعلى الرغم من اعلان وكيل لائحة “الحصان” الانسحاب من المنافسة على منصب الرئاسة الإ أن القانون يُبقي على التنافس، فكانت النتيجة صفر صوت لصالح مرشح “الحصان” مقابل 58 صوت لفائدة مرشح “المصباح”. أفلا يعتبر هذا الامر مهزلة بكل المقايس، أن يصوت مرشح للرئاسة على خصمه ويدعو باقي المنتخبين من حزبه لنفس الشيء في واقعة أقل ما يمكن القول عنها أنها المهانة والمذلة بكل المقايس.
فإعلان وكيل حزب ‘الحصان” مساندة حزبه للرئيس يمكن قراءته من منطلقات عدة، أولها أنه يريد الحفاظ على المكتسبات التي حققها سواء لنفسه أو للمقربين منه خلال الولاية الجماعية السابقة، ويضمن صيرورتها خلال هذه الولاية الحالية، فكان هذا الإعلان بالمساندة بطعم التوسل والاستجداء. ثانيها من أجل التنصل من الدور الذي من المفترض أن يلعبه حزبه في المراقبة والتوجيه. وهو ليس بالتنصل بالمفهوم الحقيقي، وإنما هو جهل بقواعد المعارضة ووضع كل البيض في سلة حزب العدالة والتنمية ليتحمل لوحده تابعات الفشل إن لم يوفق في تحقيق انتظارات الساكنة. هنا وجب على بوانو وإخوانه أن يكونوا حذرين، وأن لا تثنيهم التوسلات والمساندة “الفخ” التي نهجها صقور حزب “الحصان” عن فتح ملفات الفساد التي وعدوا بها أهل مكناس خلال حملتهم الانتخابية في حالة فاز حزبهم بالأغلبية. وعلى أنه سيكون من بين أولوياتهم محاربة كل أشكال الفساد والاستبداد والعبث التي مست الشأن المحلي، وعلى رأسها عقود التدبير المفوض للنقل الحضري والنظافة، الجمعيات الصورية المستفيدة من المنح السخية، مشكل تدبير العتاد المكتبي والمعلوماتي بالمرفق الجماعي، وبطائق الإنعاش الموزعة على من لا يستحق وتعويضات الموظفين التي كانت تتم بانتقائية ومحابات، ومراجعة وإعادة النظر في مداخيل الملك العمومي،و أعادة النظر كذلك في الشراكات التي أبرمت مع جمعيات تابعة لمستشارين جماعين أو المقربين منهم، ومشكل تجزئة” رأس أغيل” والظروق التي تمت بها استفادت بعض الموظفين وإقصاء آخرين أكثر استحقاقا، وإعادة النظر في بند “الباقي استخلاصه” من الميزانية، والأخذ بعين الاعتبار ملاحظات مفتشي وزارة الداخلية، وإعادة النطر في الشركات التي أبرمت اتفاقيات مع الجماعة، والفوضى التسيب الذي يعرفه القسم الثقافي والاجتماعي والرياضي بالجماعة… إلخ. وأن تكون للرئيس المنتخب الجديد الشجاعة لفتح هذه الملفات عرضها على الرأي العام حتى يستحق بذلك ثقة المكناسيين. وعليه أن يتذكر دائما يوم سقط حزب العدالة والتنمية في الولاية ما بعد الماضية. كان من عرض المساندة اليوم، من دون أن تطلب منه. هو أول من نهش في عرضه ومصداقية. فيوم لك ويوم عليك…