فؤاد السعدي – الجريدة
لم أجد من العبارات أدق وصفا من هذه الجملة لتكون عنوانا لهذا المقال، الذي سينزل من دون شك كالصاعقة على أسماع المكناسيين عندما يكتشفون حقيقة من صوتوا عليهم في انتخابات الرابع من شتنبر الجماعية والجهوية. وما أقدموا عليه من أمر يثير الشفقة، ويدعو إلى تقديم العزاء في العمل السياسي الذي لم يكن يوما مذموما حتى وصل بين يدي هؤلاء.
فبعيدا عن لوثة التشفي والشماتة، لا بد أن نذكر أن موضوع التعاطي مع “الحزبي” من خلال مناقشتنا للهوية السياسية، أو الاصطفاف الإيديولوجي، أو المرجعية الحزبية أصبح غير ذي جدوى، وأمر متجاوزا بشكل استثنائي بمدينة مكناس ليصل لما يمكن أن يسمى “الاستعراء السياسي”، خصوصا عندما تكون المصالح الذاتية لأشخاص مهددة، واحتمال زوالها وارد. هنا يبقى منطق الانسلاخ من المظلة السياسية، أسهل بكثير من إزالة شوارب الأحذية. فلا قناعة باقية ولا نضال دائم، سوى الأستعراء من انتماء سياسي لمغازلة مصلحة شخصية. وهنا لا أجد خير من مقولة “تشومسكي” عندما قال في وحدة من مقولاته الشهيرة في مثل هؤلاء من المتخبين “للأسف لا يمكن التخلص من الأوغاد عن طريق الانتخابات.. لأننا لم ننتخبهم أصلا”. ولعل من ناصرهم وساندهم هو من سيعرف لماذا، وكيف، وما هو المقابل ؟
الرسالة هنا للناخب المكناسي، الذي صوت لفائدة أشخاص يعرف مسبقا من هم؟ كيف كانوا؟ وكيف صاروا؟ ومع ذلك، زكاهم ليس اقتناعا بهم، أو بمسارهم السياسي، أو بانجازاتهم لما تولوا زمام الشأن المحلي بالمدينة. ولكن حفاظا على المصالح والامتيازات والمكتسبات التي حققها من خلالهم، والتي تعتبر بمثابة الفتات أمام ما يحصل عليه الأسياد. فليس منطق العلاقة بين الناخب والمنتخب التي تعتمد على أسلوب الإقناع هي من كانت تجمعهم. بل هو منطق السيد و“العبد” المعتمد على آليات الأمر والطاعة ما دامت المصالح المشتركة بينهم متشابهة، ولا تتفاوت سوى في الحجم فقط.
فالمصلحة، والرغبة الملحة للإبقاء عليها، هي التي جعلت ثلاثا من نواب المعارضة الجدد المنتمين إلى إحدى اللوائح الفائزة مؤخرا خلال الانتخابات الجماعية والجهوية، يدقون باب الرئيس المفترض متوسلين منه، وراجين إياه أن يعطف عليهم، ويجد لهم وسيلة، أو ثغرة قانونية تمكِنهم من ضمان مكانا لهم ضمن أغلبيته المريحة، حتى يتجنبوا شر المعارضة وجحيمها، بعدما كانوا بالأمس متمرغين في عسل المجلس وخيراته.
وقبل هذه الواقعة المهزلة بأيام قليلة، أقدم وكيل ذات اللائحة على الوصية خيرا بأقربائه وأصهاره، مستعطفا ألا يمسهم الشر مثلما مسه ورفاقه. هذا هو واقع بعض سياسيوا مكناس الذين ألفوا “التغميسة”، ولن يقدروا على “الحمية” ويبحثون جاهدين عن مكان لهم على مائدة المجلس عسى أن يصلهم شيء من الدسم.
الحقيقة أن ما يحزن، ليس أمر هؤلاء الانتهازيين من السياسيين، لأنه تعودنا منهم مثل هذه الأساليب الوضيعة خصوصا عندما كانوا يديرون الشأن المحلي، والتي أعادت مدينة الملوك إلى الخلف لسنوات، وقضت على الموروث الحضاري والتاريخي بها. وقد سبق أن تحدثنا في مقال سابق تحت عنوان “مكناس.. من زمن العزة إلى زمن الرداءة” عن اللعنة التي قد تصيب كل شخص توالى زمام أمور هذه المدينة إن هو عتا عبثا وفسادا.
فيبدوا أن النبوءة قد تحققت وعلى المسيرين الجدد، أن يضعوا نصب أعينهم هذا المعطى كي لا يصيبهم ما أصاب أسلافهم. فكيف سيكون موقف أكثر من 11 ألف ناخب ممن صوتوا على هؤلاء، وهم يسمعون بأن من صوتوا لصالحهم وساندوهم قد هرولوا يطلبون الغوث بعدما تهاوت عروشهم وامبرطورياتهم التي أسسوها من الفساد والاستبداد؟ هي خيبة الأمل من دون شك. ودرس لهؤلاء الناخبين لا طلما دعونا إليه في عدت مقالات عنواينها أن الوطن ومصلحة الوطن تأتي أولا. ولربما كانت هذه من حسنات التعديلات التي طرأت على مقتضيات الميثاق الجماعي الذي حد من ترحال هؤلاء بعدما تعودوا في السابق على تغير انتماءاتهم الحزبية مثلما تغير الحرباء لون جلدها، كلما دعت مصالحهم الذاتية لذلك، ولعل تاريخهم السياسي الغير المشرف المليء بمثل هذه الممارسات خير شاهد على ذلك. هي إذن فضيحة أخرى تنضاف إلى سجلهم الحافل بالفضائح وهذه المرة ليس كمسيري الشأن المحلي بل كمعارضين جدد في المجلس البلدي، وضعية قد تصعب من تواجدهما خاصة وأنهم لا يفقهون في آليات المعارضة شيئا…