الجريدة | حاتم الطالبي
أصبح النقاش في الآونة الأخيرة حول الوضع الاجتماعي والأمني بمدينة طنجة مادة دسمة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة من طرف بعض الصفحات مجهولة الهوية والمنصات الافتراضية، التي تنشر بين الفينة والأخرى تدوينات وبلاغات تحذر مما تصفه باستفحال مقلق لآفة ترويج المخدرات بمختلف أنواعها وتراجع مؤشرات السكينة العامة.
هذا الحراك الرقمي، وإن كان يتخذ في ظاهره طابع الغيرة المدنية، بات يثير الكثير من التساؤلات بين المتتبعين للشأن المحلي حول الخلفيات الحقيقية لبعض هذه الخرجات، والخيط الرفيع الفاصل بين التنبيه المسؤول وبين التهويل الممنهج الذي يفتقر إلى المؤشرات الإحصائية الدقيقة.
هذا ويرى كل من يواكب الفعل الجمعوي بعاصمة البوغاز أن لجوء صفحات غير معروفة الاعتماد إلى تضخيم ظواهر اجتماعية أو سلوكات معزولة، يعكس نزوعا نحو أساليب الضغط والتشويش الافتراضي لغايات غامضة، بدل الانخراط في عمل مدني تشاركي حقيقي ورصين. فالعمل الجمعوي المواطن لا يتغذى على إشعال فتيل الإثارة أو إصدار أحكام قيمة وتبخيسية جاهزة ضد مؤسسات الدولة، بل ينبثق من وعي بأدواره الطبيعية في مجالات التربية والتوعية والتحسيس لمساعدة الأسر والمؤسسات التعليمية على تطويق آفة الإدمان والانحراف، بعيدا عن التراشق الإعلامي والمزايدات التي تحاول تقمص أدوار الأجهزة الرقابية والقضائية.
في مقابل هذه القراءات الافتراضية القاتمة، تظهر المعطيات الميدانية للتدخلات اليومية لمختلف المصالح والدواير الأمنية بطنجة وتيرة عمل مستمرة ترتكز على المقاربة الاستباقية؛ وتشمل هذه المجهودات حملات تطهيرية دورية ومكثفة لتجفيف منابع الترويج وتفكيك شبكات الأنشطة المحظورة وملاحقة الأشخاص المبحوث عنهم، فضلا عن الحضور الميداني المرن لشرطة القرب وتفاعلها السريع مع شكايات المواطنين لضمان استدامة السكينة العامة.
هذا التواجد الميداني يشكل الرد العملي والموضوعي على محاولات رسم صورة سوداوية غير واقعية للمدينة، وهي المحاولات التي تساهم بشكل سلبي في تشويه السمعة الطيبة لعاصمة البوغاز والإضرار برصيدها الرمزي والاجتماعي، فضلا عن التأثير سلبا على جاذبيتها السياحية والاستثمارية كوجهة آمنة ومستقرة.
جدير بالذكر أن صون الاستقرار وحماية الأمن العام يظلان، بقوة القانون، اختصاصا أصيلا وحصريا للمؤسسات الأمنية والقضائية التي تمتلك الكفاءة القانونية والوسائل اللوجستية والمهنية لتقييم المخاطر وتدبيرها على أكمل وجه. ومن هنا، فإن الحفاظ على مكتسبات مدينة طنجة وصيانة مستقبلها يتطلبان تعزيز الثقة في مؤسسات الدولة والتعاون المسؤول معها على أرض الواقع، كبديل حقيقي لضوضاء المنصات المجهولة التي تبتغي الإثارة أكثر مما تبحث عن الحلول.
وفي هذا السياق، بات ضروريا عدم التعامل بالتساهل مع هذه المنصات المجهولة التي تتجاوز حدود النقد البناء لتسقط في شرك التشهير وبث مغالطات تمس بالنظام العام وتماسك المؤسسات. كما أن التصدي لهذه الظواهر يقتضي تفعيل المقاربة الزجرية الصارمة عبر فتح تحقيقات قضائية معمقة للكشف عن الهويات الحقيقية لمن يديرون هذه الصفحات وتحديد خلفياتهم وأجنداتهم غير المعلنة، مع ترتيب الجزاءات القانونية اللازمة في حقهم؛ ذلك أن ترك الفضاء الافتراضي رهينا لـ”ذباب إلكتروني” يقتات على الإثارة والتهويل لا يشكل فقط ضربا لمصداقية العمل الجمعوي الشريف، بل يتحول إلى تهديد مباشر للأمن الرمزي والجاذبية الاقتصادية للمدينة، مما يستوجب حزما قانونيا يضع حدا لهذه الممارسات الطفيلية.