الجريدة – فؤاد السعدي
يمكن على ضوء نتائج الاستحقاقات الأخيرة التي بدأت بالانتخابات المهنية وصولا إلى انتخابات مجلس المستشارين، ومرورا بالانتخابات الجماعية والجهوية ومجالس العمالات والأقاليم، أن نستخلص جملة من القراءات بالاعتماد على لغة الأرقام لتوخي الدقة والموضوعية في التحليل. وسنقف في بادئ الأمر عند الأحزاب الأربعة التي تناوبت على المراتب الأولى في كل الاستحقاقات. وهي أحزاب العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة والاستقلال والتجمع الوطني للأحرار. فبالرغم من أن الأول كسب المعركة الانتخابية ميدانيا، وربح ثقة المواطنين. والثاني استطاع ربح مواقع القرارت الجهوية والإقليمية. في حين تمكن الثالث من السيطرة على الانتخابات المهنية والتشريعية أما الرابع فيقتصر دوره كما جرت العادة على إقامة التوازنات. فلا يزال المشهد السياسي ضبابيا يكتنفه نوع من الغموض، وأكثر من علامات استفهام تحوم حول الطرق والآليات التي ستتم بها ممارسة السلطات بين مختلف الهيأت المنتخبة ؟ وفيما إن كان تمرير القرارات فيما بينها سيتم بشكل انسيابي أو تجاذبي ؟ ولمن ستكون الأولية عند تدبير هذه الهيئات، لمصلحة الموطن أم لمصلحة الحزب ؟ وهل استطاعت هذه الاستحقاقات فعلا أن تعكس إرادة المواطنين، وتقطع مع عقود من التجاوزات والانزلاقات عطلت البناء الديمقراطي الطامح إلى تحقيق مغرب جديد، مغرب المؤسسات المنتخبة القادرة على بلورة طموحات وانتظارات المغاربة؟
قبل أن نجيب عن هذه التساؤلات، لا بد أن نستعرض لمحة موجزة عن الطريقة التي دَبَّرت بها الأحزاب السياسية حملاتها الانتخابية الأخيرة، حملات لم تختلف في النسق العام عن سابقتها. مما يؤكد أن هذه الأحزاب لم تستجب للمتغيرات التي شهدها المحيط الوطني والإقليمي والدولي، ولم تطور عملها ولا أساليب سلوكها السياسي الذي يفرض البحث عن بدائل جديدة من قبيل تجديد النخب، وتغيير الخطاب. فلم يعد من المقبول اليوم، أن تؤسس الأحزاب السياسية خطابا عقيما يرتكز على المشاعر أكثر من العقل، ولا أن تعتمد في حملاتها الانتخابية على انتقاد الأخر، كما فعل حزب العدالة والتنمية منذ توليه التدبير الحكومي، عندما اتهم كائنات وهمية من قبيل التماسيح والعفاريت بالتشويش وعرقلة مسلسل الإصلاحات التي قام بها. فكونه اتجه إلى هذا الأسلوب فهو دليل على أنه غير قادر على إنتاج خطاب رسمي يدافع به عن برنامجه. مما اضطره إلى خلق كيان وهمي اسماه “التماسيح والعفاريت” ليبرر إخفاقاته، وينسل من وضعية المدافع إلى وضع المقاوم المعارض والضحية على اعتبار أنه لا يتقن خطابا غير خطاب المعارضة الأكثر دغدغة لمشاعر الناخبين.
وحتى وإن كان حزب العدالة والتنمية قد ابتدع كائنا وهميا ليوجه إليه سهام انتقاداته، فحزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال لم يكونا أقل منه إحتيالا عندما أسسا خطة معارضتهما على توجيه السهام إلى شخص رئيس الحكومة دونا عن برامج حزبه أو تصوراته. ليتضح أن المعارضة اليوم في المغرب بكل أطيافها ضعيفة ولا تمتلك القدرة الكافية على تحقيق اختراق حقيقي في مجال فرض الإصلاح السياسي. في حين اختار حزب التجمع الوطني للأحرار موقع الاصطفاف مع الأقوى، ولهذا السبب ترى مواقفه دائمة التأرجح تتحكم فيها لغة التعليمات.
كل هذه الأسباب، وأخرى لم يتم التطرق إليها، جعلت الناخب المغربي يتجه إلى صناديق الاقتراع بهدف التصويت انتقاما وليس قناعة. تصويت حتى و إن أسر جهات معينة، فإنه أربك حسابات أخرى. الأمر الذي اضطرت معه هذه الأخيرة إلى الإسراع من أجل احتواء الوضع، و فرض السيطرة خلال انتخاب رؤساء الجهات والمجالس والأقاليم، ومجلس المستشارين من اجل إعادة التوازنات، والحفاظ عليها حتى لا تتعرض هذه المؤسسة للضعف في أول تجربة بعد دستور جديد وإقرار جهوية موسعة. وليتضح أن جوهر الصراع أو التنافس إذا صح القول بين الأحزاب السياسية هو فقط من أجل السيطرة على ذيل السلطة، ولعلمها انه مهما بلغة قوتها ستبقى دائما أداة تنفيذ، وليس أداة قرار. بمعنى أن وجودها مرتبط بتدبير مرحلة معينة ليس إلا. وأن بقاء التناحر والصراع فيما بينها يغذي السلطة ويفرض شروط سيطرتها.
وحتى وان كان المشهد السياسي يكتنفه نوع من الغموض ظاهريا على اعتبار أن الانتخابات الأخيرة لم تفرز لا رابحا ولا خاسرا إلا أنها استطاعت الإنهاء مع منطق الهيمنة السياسية، ومع فكرة الحزب القوي والحزب الضعيف. وأصبحت السياسة على ضوء أخر الاستحقاقات بمثابة صفقة يديرها من يمتلك أدوات التحكم وهو من يوزع الأدوار ولكن ليس بين الرابح والخاسر كما هو متداول في عالم الاقتصاد بل بمنظور الرابح والرابح المنتصر.
فؤاد السعدي – الجريدة