الجريدة – فؤاد السعدي
حدثان لا يمكن أن يمرا على المغاربة مرور الكرام، أولهما تصريحات حصاد وزير الداخلية عن كون حميد شباط، الأمين العام للحزب الاستقلال، قد “ابتز الدولة” خلال الاستحقاقات الانتخابية الجهوية الأخيرة، من أجل تسهيل رئاسته لجهة فاس- مكناس، بعدما فشل في الحفاظ على منصبه كعمدة العاصمة العلمية. وثانيهما عندما كشف البرلماني عن حزب الاتحاد الاشتراكي حسن طارق، في إحدى تدويناته على “الفايسبوك”، عن أسرار خطيرة تخص خلفيات معارضة إدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي لحكومة بنكيران. فاصطفاف شباط ولشكر في المعارضة لمواجهة الحكومة لم يكن سوى تكتيكا أريد به وضع العصى في عجلة التدبير الحكومي، وترك حزب العدالة والتنمية في مواجهة مفتوحة مع من صوتوا لصالحة في حالة عجزه عن تحقيق ما وعد به. وبالتالي ضرب المسار الديمقراطي للمغرب في العمق.
و فيما إن كان مواقف شباط ولشكر نابعا من قناعتهما، أو من أجل تحقيق أجندة معينة. فهما ليس بساذجين، أو حتى غبيين ليُعرِضا موقعهما ومنصبيهما للموت السياسي والأخلاقي. ويرميا بالتالي بنفسيهما في مزبلة التاريخ، إن لم يكن هنالك مقابل وراء توجههما. السؤال الذي من المفروض أن نطرحه في هذه الحالة، لماذا هذين الشخصين، دونا غيرهما اللذين تم اختيارهما ليلعبا دور الكابح في المرحلة “البنكيرانية” التي عُرفت عموما بالشعبوية؟
أولا، لأنهما لا يمتلكان تاريخا نضاليا يخشيان عليه من التدنيس، ومسارهما سياسي داخل حزابيها غير مشرف إلى حد ما، وحتى تموقعمها سياسيا تميز بالوصولية والانتهازية، لدرجة أن تزعمهما لحزبين من طينة حزب الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال، اعْتُبر بمثابة سرقة وقفزٍ على الديمقراطية. الأمر الذي نتج عنه ارتجاج كاد أن يقضى على تاريخ الحزبين الذي بني لسنوات على تضحيات المناضلين وبدماء الشهداء.
وثانيا، أن خطابهما يتناغم مع خطاب المرحلة المتميز بالهجونة والشعبوية، لاستمالة عواطف الناس، واحتواء الاحتقان الشعبي الذي أذكاه ما يسمى بالربيع العربي. مع وجود فارق بسيط في سمات الخطابين. فواحد اعتمد على الصدق والواقعية والصراحة، بينما ارتكز الثاني، على المناورة والخداع والتضليل. فكان تطعيم الحقل السياسي المغربي بالشعبويين إذن، ضرورة افرزها الوضع المشحون الذي عرفته المنطقة. وكذلك صناديق الاقتراع الاستحقاقات التشريعية لـسنة 2011 ، التي أعطت فوزا كاسحا لحزب العدالة والتنمية. فوز تحتم معه اختيار بنكيران أمنيه العام، رغم شعبويته ليقود الحكومة إعمالا بالمنهجية الديمقراطية. فكان خلق خطاب مضاد ضرورة للحفاظ على التوازنات، و لتجاوز الأزمات الاجتماعية، وكبح جماح الموجات المتجهة نحو التناغم مع الجماهير. وأصبح بذلك الصراع على أن من سيمتلك ناصية المغاربة، هو من يكون خطابه مبنيا على الاتصال المباشر بهم ومخاطبتهم بلغة يفهمونها عوض لغة الخشب التي كان يروجها عقلاء السياسة فيما قبل.
فهل كان إذن لا بد من انتظار الاستحقاقات الجماعية والجهوية حتى يتم الاستغناء ضمنيا عن خدماتهما ؟ الجواب هو نعم، لأنهما لم ينجحا في المهمة الموكلة إليهما. بل أكثر من هذا أن أسلوبهما ساعد على الرفع من أسهم بنكيران ومن شعبية حزبه. وكانت النتيجة، احتلال “البيجيدي” للصدارة خلال الانتخابات الجماعية والجهوية الأخيرة. بالمقابل تهاوت مصداقية حزبيهما. فحتى وإن عبرت نتائج هذه عن إرادة المغاربة، فهذه الإرادة مع الأسف، لم يتم احترامها في انتخاب رؤساء الجهات، لظهر بأنه لم يكن الاعتماد فقط على المعارضة التقليدية لفرملة احتمالات اكتساح حزب العدالة والتنمية وحرمانه من السيطرة على جميع مواقع القرار، بل كان هناك التحالف الذي تم الاحتفاظ به للطوارئ في دكة الاحتياط للعب دور الحفاظ على توازنات المواقع التدبيرية.
وما كان من المفروض أن تقوم به أحزاب المعارضة قامت به أحزاب التحالف الحكومي، عن طريق خرق ميثاق تحالفاتها. لهذا أصبح الإبقاء على المعارضة في وضعيتها الراهنة غير ذي جدوى. وأصبح تغير زعمائهما شيئا ملحا تحتمه ضرورة اقتراب الاستحقاقات التشريعية التي تفرض إنتاج خطاب سياسي جديد ورزين يعتمد على المصداقية والموضوعية لمواجهة الاكتساح المحتمل حزب بنكيران.
ويبقى الطرح الوارد بعد هذه القراءة، وعلى ضوء نتائج الاستحقاقات الأخير ، على أنه من المتوقع أن ينزل الناخب المغربي خلال النزال الانتخابي التشريعي المقبل إلى صناديق الاقتراع بقوة لمعاقبة بعض أحزاب التحالف التي انتقضت العهد، وأجهضت مشروع التحالفات. كما فعلت مع أحزاب المعارضة خلال الاستحقاقات الماضية. وسيكون الرابح إلى جانب حزب العدالة والتنمية من هذه المسألة، حزب الأصالة المعاصرة الذي استغل تدني شعبية الأحزاب الوطنية من جهة، وسخط المغاربة على بعض أحزاب التحالف الحكومي من جهة أخرى، ليحظى هو الأخر بالمراتب متقدمة. مرتبة قد تجعله أحد أضلاع الأساسية للمثلث أو المربع المشكل للحكومة المقبلة.
فالقراءة المتأنية لنتائج للانتخابات الجماعية والجهوية اليوم، تبقي على حظوظ حزب العدالة والتنمية وافرة في الحكومة المقبلة، مع إمكانية قيادتها، ومشاركة حزب الأصالة والمعاصرة إلى جانبها. ما دام الاختلاف القائم بين الحزبين هو شكلي، وليس جوهري خصوصا عند انتفاء عقدة حزب “البام” المتمثلة في انتزاع الاعتراف من حزب “البيجيدي” على أنه أصبح قوة سياسية مؤثرة في المشهد السياسي المغربي، ولا يجب الاستهانة به. وفي هذه الحالة يجب على حزب العدالة والتنمية من الآن البحث عن رجل التوافقات القادر على تدبير المرحلة القادمة، وإنتاج خطاب سياسي يتماشى مع تحدياتها واكراهاتها. ومن هنا يمكن القول بأن مرحلة بنكيران وشباط لشكر باتت على وشك الانتهاء. وأولى إرهاصاتها بدأت بـ “ابتزاز الدولة”..
