الجريدة | حاتم الطالبي
في الوقت الذي تنتظر فيه الشغيلة الصحية والفاعلون الحقوقيون نقاشا عميقا ومسؤولا حول سبل إنجاح ورش إصلاح المنظومة الصحية الوطنية وتنزيل المجموعات الصحية الترابية (GST)، اختار فريق برلماني، عن الاستقلال للوحدة والتعادلية الركوب على موجة الشعبوية الضيقة من خلال توجيه سؤال كتابي لوزير الصحة، ينتقد فيه ما أسماه رفض استقبال مرضى جماعة اكزناية بمستعجلات المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بطنجة (CHU)، وتوجيههم صوب المستشفى الجهوي محمد الخامس.
هذا التحرك البرلماني، الذي تلقفته بعض الأقلام الصحفية دون فحص أو تدقيق، يطرح علامات استفهام حارقة حول مدى وعي ممثلي الأمة بالقوانين والمنظومة التشريعية الذين يساهمون هم أنفسهم في تشريعها داخل قبة البرلمان، ويسائل في الآن ذاته دور الصحافة التي تحولت في هذا الملف من دور التنوير إلى دور الناقل الأعمى للاحتجاجات غير المؤسسة والمبنية على الجهل التام بالمساطر.
جدير بالذكر أن قطاع الصحة ومؤسساته الاستشفائية، التي تعنى بإنقاذ الأرواح وتدبير الأزمات الطبية الحرجة، يجب أن تظل خطا أحمر خارج كل الحسابات الانتخابية والمزايدات السياسية السطحية. وبالتالي فلجوء فريق برلماني إلى دغدغة عواطف الساكنة المحلية عبر تصوير التوجيه الطبي القانوني كأنه مؤامرة أو طرد ممنهج هو أسلوب يفتقد للشجاعة الأدبية، بل إنه سلوك غير إنساني وغير أخلاقي؛ لأنه يساهم في شحن المواطنين ضد الأطقم الطبية، ويعرض المؤسسات الاستراتيجية لضغط عشوائي قد يتسبب، في حال الرضوخ له، في إزهاق أرواح الحالات الحرجة الحقيقية التي تستحق العناية الثالثية والدقيقة داخل المستشفى الجامعي. وكان حريا بهذا الفريق البرلماني، بدل صياغة سؤال بنبرة تظلّمية واهية، أن يتحلى بالجرأة الكافية ليصارح الساكنة بالمنظومة القانونية الجاري بها العمل، وأن يطالب بتجويد الخدمات الصحية بالمركز الصحي اكزناية أو بالمستشفى الجهوي محمد الخامس، عوض الدفع بالعامة إلى خرق المساطر المعمول بها وتحويل المستشفى الجامعي العام إلى مستوصف أحياء، في محاولة لاختطاف تعاطف انتخابي زائف.
من جهة أخرى، كشفت التعاطيات الإعلامية مع هذا الملف عن انزياح خطير لبعض المنابر الصحفية التي سارعت إلى نشر الخبر وصياغة مقالات مبتورة ومبهمة دون التوفر على الحد الأدنى من المعلومة القانونية والتقنية المنظمة للقطاع.
ما يجهله بعض ممثلي الأمة أن المنظومة الصحية بالمغرب محكومة بالقانون الإطار رقم 06.22 ومقتضيات مسلك العلاجات، وهو نظام إلزامي يفرض التدرج من المراكز الصحية للرعاية الأولية، مرورا بالمستشفيات الإقليمية والجهوية كمستشفى محمد الخامس، وصولا إلى المراكز الاستشفائية الجامعية التي تمثل قمة الهرم الطبي، والمخصصة حصريا للحالات الطبية المعقدة جدا، أو المستعجلات الحرجة القاتلة كالسكتات الدماغية (Morts Cérébrale) والجلطات (AVC) وحوادث السير الكبرى (AVP).
وحينما يجهل الصحفي أن طبيب الفرز بمستعجلات المستشفى الجامعي العام يطبق القانون والمعايير العلمية الدقيقة عند توجيهه لحالة مستقرة أو بسيطة نحو المستشفى الجهوي لتفادي الاكتظاظ وشلل المرفق، فإنه يسقط في فخ الإثارة الرخيصة.
اليوم الصحافة الرصينة ملزمة بأن تكون عاصما للمعلومة وصمام أمان يشرح للمواطن كيف يشتغل المرفق العمومي، وليس أداة لتكريس الفوضى والجهل المسطري. وأن أزمة مستعجلات طنجة الأخيرة لم تكن أزمة تدبير طبي، بل أزمة وعي قانوني وسياسي؛ أبطالها سياسيين يبحثون عن أصوات على حساب قطاع منهك، وصحافة تخلت عن واجب التدقيق لتقتات على بلاغات وسجالات جوفاء.