متابعة – فؤاد السعدي
إن المتأمل في واقع السياسة بمدينة مكناس لا يسعه إلا أن يقف حائرا متعجبا من الكم الهائل من المتناقضات و المفارقات. فإذا كان التعريف الشائع للسياسة هي فن الممكن، فهو تعريف ينطبق على الواقع السياسي المكناسي حيث يمكن للأمي والجاهل والوصولي أن يصبح مستشارا أو برلمانيا، ولما لا أكثر من هذا وذاك، ويمكن لحفنة من الكسالا والفاشلين أن يدبروا شؤون مدينة ويتحكمون في مصير ساكنتها. نعم السياسة عندنا فن في أصول العبث والعشوائية حيث تُعدم الأخلاق أمام الرغبة المجنونة في الوصول إلى الكرسي.
ترى الأحزاب أثناء حملاتهم الإنتخابية يتطاحنون ويتصارعون فيما بينهم لبلوغ الإمتيازات وحصد المكاسب، وعوض صراع البرامج نجد أنفسنا أمام صراع الأشخاص أو بصيغة أدق صراع المصالح وبالتالي كل شيء مباح المهم هو بلوغ كرسي رئاسة جماعة أو مجلس عمالة أو مجلس جهة.
في الغرب يلتزم السياسيون أمام منتخبيهم يقدمون البرامج ويتنافسون لكسب الأصوات وثقة الناخبيين وحين يصلون إلى السلطة ينزلون برامجهم ويجتهدون في الوفاء بالوعود التي قطعوها على أنفسهم وحين يفشل أحدهم يقدم استقالته ويضع نفسه رهن إشار من زكوه، فضلاً عن أنه لا يمكن لأي كان أن يمارس السياسة إن لم يكن على مستوى دراسي عال وراكم تجربة سياسية لا يستهان بها تؤهله لتسيير الشأن العام وتدبيره بكل حكمة وروية.
أما عندنا فالوصول إلى الكرسي لا يحتاج سوى إلى تفخيم الحنجرة والضرب على الطاولة والتدخل في كل شيء وفي كل مناسبة بمعنى “البوليميك الخاوي” كما هو الحال بالنسبة لرئيس مجلس عمالة مكناس الذي وصل الى الكرسي الرئاسة عن طريق الصدفة، تماما مثلما دخل الى السياسة بالصدفة، وتشكلت مسيرته القصيرة في الساحة السياسية نشازا لأنه لم يستقر في حزب أكثر من ولاية انتخابية من حزب الاستقلال الى الاصالة والمعاصرة الى التجمع الوطني للاحرار ولا نعلم مستقبلا أين سيحط الرحال؟ فهل ترحال الرجل نابع من قناعات ذاتية وما مدى انسجامها مع مبادئ الأحزاب أم شيء أخر؟
المهم هو أن عناء الترحال مكنه أخيرا من الظفر برئاسة مجلس عمالة مكناس وما يترتب عليه من تعويضات سمينة دون الحديث عن استفادته من سيارة رباعية الدفع وتعويضات عن التنقل وتعويضات عن السفر والبنزين وغيرها من الامتيازات الأخرى.
صحيح أن المشرع وهو يسن القانون الموجب للتعويضات عن أداء مهام إدارية معينة وضع في الاعتبار المجهود المبذول والنتيجة المتحصل عليها لنتساءل في حالتنا هاته عن القيمة المضافة التي جاء بها صاحبنا منذ توليه زمام شؤون مجلس عمالة مكناس وماذا حقق؟ ولعل الحصيلة الصفرية لتدبيره لمدة سنة لهذا المرفق تغنينا عن الخوض عن أي حديث، اللهم إن كانت هذه الإمتيازات تمنح مقابل حضور التدشينات والمناسبة الرسمية وحمل باقات الورد فهذا أمر أخر.