الجريدة | حاتم الطالبي
تطرح التجربة الأمنية الحالية بمدينة طنجة نموذجا متقدما في تدبير الفضاءات الحضرية ذات الحساسية الجيواستراتيجية، حيث انتقل العمل الأمني من سياقه التقليدي إلى فضاء الحكامة الجنائية المبنية على المزاوجة بين المرجعية الأكاديمية والخبرة الميدانية.
هذا التحول ليس مجرد تغيير في الأشخاص، بل هو انعكاس لاستراتيجية المديرية العامة للأمن الوطني التي تراهن على تكنوقراطية الأمن؛ أي الاعتماد على كفاءات مسلحة بالتكوين العلمي العالي (الدكتوراه في العلوم الجنائية نموذجا) لفك شفرات الجريمة المستجدة وتدبير أعقد الملفات.
وتكمن القوة الضاربة للمخطط الأمني بعاصمة البوغاز في هندسة التنسيق بين مختلف المصالح الولائية والشرطة القضائية والدوائر الأمنية، وهو ما أدى إلى تجفيف منابع الجريمة المنظمة وشبكات الاتجار الدولي في المخدرات التي كانت تتخذ من المدينة ملاذا لها.
وتتجلى القيمة النوعية لهذا المخطط في الانتقال من أمن التدخل إلى أمن الوقاية والاستباق، عبر توظيف التكنولوجيا الرقمية والذكاء الجنائي في تحليل الأنماط الجرمية وتوقعها قبل حدوثها، مما عزز من شعور المواطن والزائر بالأمان في مدينة تعتبر واجهة المغرب القارية.
وتمتد نقاط القوة لتشمل تكريس مفهوم الشرطة المواطنة؛ حيث لم يعد الرابط بين الأمن والمجتمع زجريا صرفا، بل صار قائما على التشارك والشفافية في تطبيق القانون. فالفعالية التي أبانت عنها ولاية أمن طنجة في استجلاء غموض الجرائم المعقدة تعود بالأساس إلى توفير دعم علمي ولوجيستيكي متطور للعناصر الميدانية، مما جعل من البحث الجنائي عملية جراحية دقيقة تحترم حقوق الإنسان وتصون الحريات الفردية، وفق مقاربة توازن بين هيبة الدولة وسيادة القانون.
وفي سياق تعزيز هذه المكتسبات، تبرز ضرورة مأسسة دينامية الكفاءات كآلية لضمان استدامة النجاح؛ إذ يمثل التداول على مناصب المسؤولية، خاصة في النقط الحساسة كالمناطق المينائية، فرصة لتبادل الخبرات وتجديد الدماء الإدارية، لأن الهدف من دورية الحركية الانتقالية هو استثمار التراكمات الإيجابية ونقلها بين مختلف المصالح، مما يضمن بقاء المؤسسة الأمنية في حالة يقظة قصوى وجاهزية متجددة لمواجهة التحديات العابرة للحدود. ويبقى الرهان اليوم هو تحويل استقرار النتائج إلى استراتيجية نمو دائم التي ستضع طنجة كقطب أمني عالمي يواكب طموحاتها الاقتصادية والسياحية الكبرى.