عكس بقاع المعمور حيث يسهر السياسيون على تدارس مشاكل شعوبهم من خلال ابداع الحلول الكفيلة بتفاديها، يميل زعماؤنا السياسيون الى اختلاق الأزمات وإدامتها بل والإدمان عليها والتسويق لخطاب مشحون بالعنترية الكذابة وبأنهم يملكون الخبرة والدراية لسبر أغوار ودهاليز السياسة وفك طلاسيمها، ويسارعون لتقديم أنفسهم بعناوين حماة الوطن القادمين من أجل تصحيح أخطاء من سبقوهم في تدبير الشأن العام، والقادريين على تحويل الازمات الى انجازات.
وغالبا ما ينتجون بمجرد وصولهم الى مناصب السلطة خطابا سياسيا مأزوما بالشخصنة، في وطن يغرم فيه الجمهور بالزعامات الكلامية ويعشق الذوبان في أوصافهم وخرجاتهم العنترية ومقولاتهم من دون تقييم أفعالهم ومواقفهم. لذلك تكون أغلب مواضيعهم عبارة عن شعارات فضفاضة خاوية تميل الى استغفال الرأي العام وتشتيت أنظاره وإدخاله في سجالات سياسية استعراضية بعيدة كل البعد عن القضايا الرئيسة والمصيرية التي تتعلق بحياة المواطن وكريم عيشه.
حلم السلطة أزال الاقنعة المزيفة عن وجوه الزعامات السياسية الكرتونية التي تدعي الاصلاح وحماية الحقوق. ليتأكد أن القائد السياسي الحقيقي ليس هو من يجيد معارك الاستحقاقات الانتخابية والظفر بمراتب متقدمة، ويركب على الشعارات الشعبية بشكل ظاهري لاستحالة الجماهير وتوهيمهم، بل من يواجه تحديات المناصب، وينكب على تنزيل وعود ما قبل بلوغها.
وهبي المعروف عليه، إتقانه الجيد لفن الخطابة، بحكم عمله كمحام متمرس، لم يدرك جيدا عندما أصبح وزيرا للعدل والحريات أن العديد من المتربصين به ينتظرون زلاته لكي يقلبوا الطاولة عليه، ويحاصرونه في الزاوية الضيقة.
بخرجاته، وضع عبد اللطيف، نفسه، في سلة “النازلين” في بورصة السياسة، بعد أن تلقى اللكمات المتتالية على “خفة لسانه” منذ توليه حقيبة الوزارة خاصة في ظل اتساع رقعة المعلومة وسرعة انتشارها، لذا سقط رأسه ونزعت عنه مصداقيته وتحول إلى مادة للسخرية تارة وللفضيحة تارة أخرى، وهو ما أوقعه في حرج مع محيطه سيما عندما يتحول القول المنفلت إلى مادة دسمة للإعلام.
فعنترية وهبي أخرجته من قالب ذلك الشاطر الذي يفترض توفره على الحنكة والتجربة والحكمة قبل اتخاذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة، وجردته أيضا من صفاته المشبعة بالمسؤولية، والمتمكنة من تقدير الأمور وقراءة آثار تصريحاته قبل اتخاذ القرار دون مغالاة أو شطط أو انسياق وراء العواطف والنعرات. فما صدر عن “وزير التقاشير” ليس مجرد زلة من زلاته المعهودة أو خطأ فرضته العفوية الزائدة التي يعبر بها أو رغبة في إثبات الذات على مسؤول إداري، تتجاوز بكثير كل هذه الاعتبارات الظرفية والنفسية، وأنه من المفترض ألّا تصدر عن مسؤول حكومي من حجم وزير للعدل المضطلع على “تقاشر الناس”.
لقد استطاع وهبي في زمن قياسي بجرة لسان غير محسوبة هدم كل معالم صورة المغرب المتصالح مع تاريخه والمتبرئ من ماضي الانتهاكات والتسلط الأمني والقضائي ضد المواطنين.
فأن يقول وزيرٌ للعدل يُفترض أنه ضامن للحريات وحارس للحقوق أن كل الأجهزة تعمل تحت إمرته وأنه مطّلع على تفاصيل الحياة الشخصية للمواطنين فهذا ينطوي على حنين حقبة الوزراء غير المأسوف عليهم، الذين عرف المغاربة في عهدهم معنى التجسس على الأعراض والاطلاع على الخصوصيات وجمع المعلومات والملفات، واشتهرت مرحلتهم باسم سنوات الرصاص، التي رحلت إلى غير رجعة. لأتي وهبي اليوم يذكر الناس بهذا التصريح اللامسؤول أمام الملأ بشخص ادريس البصري، الذي نعرف أن بعض المسؤولين الحالين يحنّون في قرارة أنفسهم لامتلاك جانب من شخصيته وسطوته.
ألم يدرك وهبي أن المغرب دخل مع بداية الألفية مرحلة تاريخية جديدة عندما قرر تصفية تركة الماضي وانتهاكاته والتصالح مع أبنائه وبناته وجبر ضررهم أقرّ هذه المصالحة ضمانا لعدم تكرار ما جرى في الماضي خصوصا ما يتعلق باحترام الخصوصية وحفظ سرية وحرمة الناس؟ ألا يعلم وهبي أن هذيانه يعتبر مادة داسمة لخصوم المملكة ويطعن في صورتها وفي تاريخها ورصيدها الحقوقي؟ إذا كان وزير العدل الممثل للحكومة المغربية الرسمية يصرح أمام الكاميرات أن الأجهزة تحت إمرته وأنه مطلع على كل خصوصيات الناس فإنه ببساطة يطعن في كل الجهود التي بذلت من أجل تقديم المغرب للعالم في صورته الحقيقية البعيدة عن كل الاتهامات المدسوسة من الخارج الهادفة إلى النيل منه ومقارنته ببلدان لا تزال تحلم بشيء اسمه حقوق الإنسان وتحاول بكل ما تملك من إمكانات مادية ودبلوماسية أن تصل إلى ربع ما حققه المغرب في هذا المجال.
من واقعة “التقاشر” الى إلزامية جواز التلقيح لولوج المحاكم، يخسر وهبي مرة أخرى نقاط كثيرة من رصيد مصداقيته المتهالكة ليس أمام المواطنين بل أمام زملاء الأمس، فهل غلبت حضوة الوزارة رداء المحاماة؟