الجريدة ا هيئة التحرير
يرتبط الاحتقان التدبيري الذي شهده مستشفى التخصصات الجديد بتطوان، في عمقه، بمحاولات حثيثة من طرف أحد الفاعلين النقابيين لافتعال واقعة الاعتصام والركوب عليه، والدعوة إلى مسارات تحريضية غير مسؤولة؛ وهي تحركات لم تعد تقرأ في سياق الدفاع عن حقوق الشغيلة، بل كخطة مدروسة لخلط الأوراق وإشاعة الفوضى داخل هذا الصرح الاستشفائي الملكي بهدف التغطية على تجاوزات مهنية وقانونية جسيمة.
وخلف القناع الإعلامي والصورة المصقولة التي يسعى هذا النقابي إلى ترويجها كـ”فارس” يدافع عن الموظفين “المهمشين” والمرضى المعوزين، كشفت مصادر متطابقة عن واقع مغاير تماما تحركه المنافع الذاتية؛ إذ لم يسجل للمعني بالأمر أي انخراط فعلي في خدمة المرضى الأكثر هشاشة داخل المستشفى العمومي، بل إن خطاباته الحماسية تخفي وراءها خرقا سافرا للضوابط القانونية المؤطرة للوظيفة العمومية، من خلال مزاولته العمل داخل منشأة صحية خصوصية بشكل غير قانوني ودون توفره على أي ترخيص يذكر.
كما تؤكد الحقائق الميدانية أن دعوات التحريض والاعتصام التي تبناها هذا الطرف، يتم استعمالها كمطية لربح غير مشروع وكوسيلة ضغط وابتزاز صريحة ضد إدارة المستشفى، بغرض دفعها للتساهل مع أنشطته الربحية الموازية. ويسجل المتتبعون للشأن الصحي بالمنطقة خلطا مقلقا بين العمل النقابي والطموحات السياسية الشخصية، بالنظر إلى العلاقات المشبوهة التي تجمع المعني بالأمر بفاعل سياسي محلي، وارتباطاته المثيرة للجدل بمالك مصحة خاصة، مما يمثل سبة على جبين الممارسة النقابية الوطنية التي طالما شكلت نضالا مشروعا وعملا نبيلا لتخليق المرفق العام لا واجهة للمصالح الضيقة.
ولم تتوقف الانحرافات عند هذا الحد، بل امتدت لتطال العمل الجمعوي عبر توجيه المرضى بشكل ممنهج نحو القطاع الخاص، واستغلال موارد الجمعيات في غياب تام لآليات الشفافية. والأخطر من ذلك هو تحويل المرتفقين وآلامهم إلى أدوات انتخابية، حيث يستفيد المرضى المدعومون من شبكته السياسية من معاملة تفضيلية على حساب مواطنين بسطاء لا سند لهم، مما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في الولوج إلى العلاج ويغذي شعورا عارما بالاستياء والغبن لدى المواطنين، مساهما بشكل مباشر في نشر الفوضى التدبيرية.
أمام هذا المشهد القاتم، ومحاولات استغلال فضاء المستشفى للتحريض وإثارة الأزمات المفتعلة، يتساءل الرأي العام المحلي بكثير من الاستغراب عن موقع مفتشية وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، والأجهزة الرقابية والقانونية بالمدينة؛ إذ إن خطورة هذه الوقائع تفرض تحركا فوريا وصارما من طرف أجهزة الدولة لفتح تحقيقات جدية، ووضع حد لهذا التغول والدفاع عن حرمة المرفق الصحي العمومي، وقطع الطريق أمام العبث النقابي والسياسي الذي يهدد السير العادي لمستشفى تطوان الجديد.
ايضا أمام هذا المشهد التدبيري القاتم، تتناسل الأسئلة الحارقة التي لم يعد ممكنا القفز عليها وهي، إلى متى سيظل صمت الأجهزة الرقابية والوصية صك غفران يتيح لهذه النماذج الانتهازية العبث بصحة المواطنين والمتاجرة بآلامهم؟ وكيف لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، ومعها الإدارة المحلية بتطوان، أن تقف موقف المتفرج أمام خروقات قانونية موثقة وتسلل أجندات سياسوية وربحية مكشوفة إلى عمق المرفق العمومي؟ هنا المسؤولية ثابتة ومباشرة، ولا تقف عند حدود المسؤولين الإداريين بل تسائل بالدرجة الأولى الهيئات النقابية المركزية والمحلية، المطالبة اليوم قبل أي وقت مضى بتطهير بيتهم الداخلي، ورفع الغطاء عن هذه الكائنات التي تتخذ من النضال التاريخي درعا لحماية مصالحها الضيقة، وتتحرك كغدة سرطانية تشوه نبل العمل الاجتماعي؛ فالاستمرار في نهج سياسة النعامة وغض الطرف عن هذا التحريض الممنهج والابتزاز المقنع، لا يعكس فقط تقصيرا في حماية حرمة المستشفى الجديد، بل يمثل تواطؤا صريحا في ترك دار لقمان تحت رحمة العبث والخراب.