الجريدة | هيئة التحرير
بينما استقرت الأدبيات السوسيو-مهنية طويلا عند ظاهرة الجنس مقابل الترقية باعتبارها ابتزازا عموديا يمارسه مسؤولون نافذون ضد الموظفات، بدأت بيئات العمل الحديثة تكشف عن وجه آخر مغاير لهذه المعادلة، يتمثل في تعرض موظفين وشبان لابتزاز جنسي من طرف مسؤولات ومديرات (باطرونات) يستغللن نفوذهن الإداري والمالي لتطويع مرؤوسين يصغرونهن بسنوات طوال.
وتتجاوز هذه الممارسات المنحرفة النمط التقليدي للتحرش، لتكشف عن قصص مكتومة في كواليس المقاولات والشركات، حيث يجد الشاب المتسلح بالكفاءة والاجتهاد نفسه أمام مساومة على الفحولة والوسامة كشرط غير معلن لتأمين الزيادة في الأجر، أو نيل العمولات والترقي المهني. ويضع هذا الالتفاف على مبدأ تكافؤ الفرص الموظف المستهدف بين فكي كماشة؛ فإما الرضوخ لنزوات المديرة سواء كانت متزوجة، أو عازبة تجاوزت سن الزواج، أو أرملة للحفاظ على مصدر رزقه، وإما الرفض والدخول في جحيم إداري يومي يبدأ بالاستفسارات الكيدية والمهام الشاقة وينتهي بالتهميش أو الطرد.
وفي الوقت الذي يختار فيه جزء من الشبان التضحية بكرامتهم على مضض تفاديا لشبح البطالة، يبرز على الجانب الآخر سلوك انتهازي معاكس؛ إذ يعمد بعض الموظفين إلى الاستغلال المتعمد لوسامتهم كوسيلة لاستمالة مسؤولات ضعيفات النفس، متجاوزين معيار الكفاءة للحصول على ترقيات وامتيازات بطرق ملتوية، مما يسهم في تسريع وتيرة انهيار القيم المهنية داخل المؤسسات.
وينبه الخبراء إلى أن الآثار النفسية والاجتماعية لهذه الظاهرة تمتد لسنوات، حيث تضرب في العمق ثقة الأفراد في قيمة الجهد البشري، وتولد مناخا مشحونا بالشكوك والاتهامات المتبادلة بين الزملاء، مما يفقد القرارات الإدارية نزاهتها ويحول بيئة العمل إلى فضاء تسوده العلاقات المشبوهة على حساب المردودية الفعلية.
ورغم جدار الصمت المحيط بهذه الطابوهات، نجحت منصات التواصل الاجتماعي في كسر جزء من هذا التعتيم، بعدما أتاح الفضاء الرقمي للضحايا فرصة البوح بتجاربهم تحت أسماء مستعارة. وهو التحول الذي يدق ناقوس الخطر حول ضرورة صياغة وعي مجتمعي ومؤسساتي حازم، يبدأ بتمكين الضحايا من آليات التبليغ الآمن، ويمر عبر فتح تحقيقات مستقلة، وصولا إلى تفعيل المساطر الزجرية ضد كل من يستغل سلطته الوظيفية لإشباع نزوات شخصية، تحصينا لكرامة الشغيلة وحمايةً لنزاهة المرفق المهني.