ميزان لكلام _ فؤاد السعدي
تعرف التنسيقية المحلية لحزب التجمع الوطني للاحرار بمكناس في الوقت الراهن مخاضا غير مسبوق، في سياق تداعيات مقاطعة أعضاء مجلس جماعة مكناس لأشغال الدورة العادية لشهر أكتوبر، وغياب الرئيس عن الدورة الإستثنائية بداعي المرض، وهذا الواقع غير المألوف الذي بات يؤثث فضاء الحزب، يستدعي منا النبش في تداعياته ومسوغاته، وهل هي ظاهرة صحية في مجرى النسق السياسي المحلي، أم أن في الأمر شيء من “حتى”؟
في سياق هذا التدافع المشحون بالشخصنة، نشير أن حكماء الحزب – إن وُجدوا طبعا – منقسمون الى تيارين الأول يدعو الى دعم جواد باحجي للبقاء على رأس مجلس جماعة مكناس يقوده القندوسي البرلماني ورجل ثقة عزيز أخنوش، والتيار الثاني يسعى الى اسقاط الرئيس وإزاحته من الساحة السياسة المحلية والدفع نحو رحيله، ويضم مستشارين جماعيين يحركهم الطاهري، مما يفيد أن حزب الأحرار بمكناس اليوم يعاني من أزمة حقيقية تشمل البنية والأداء قبل النتائج، وفي طريقه نحو خسران نفسه والإنزلاق في مناحي خطيرة.
قيل الكثير عن مسببات هذا الانقسام، وتحليل حيثياته، التي تكاد لا تحصى، لكن أصبح منحاه (الانقسام) العام نحو تعمّقه، وتحوّله إلى حالة مستدامة، في غياب قادة قادرين فعلاً على حلحلته، أو تجاوزه، من خلال إيجاد مخارج من الحالة المستعصية. وهو ما يفسر منطق السباق نحو احتلال المناصب الذي اعتمده الحزب منذ البداية ليكون هو القاعدة التي تتحكم في آلية تدبير شؤونه الداخلية، لتكون النتيجة أن غالبية المنتسبين لهذه الهيئة السياسية يتحكم في نوايا انخراطهم البحث عن أشكال الإسترزاق السياسي والإنتهازي، أكثر منه في المساهمة في إغناء الممارسة السياسية وتجويد مقاصدها.
فتيار “الطاهري” يرى في استقالة باحجي من المجلس الجماعي خلاص المدينة من “البلوكاج” الذي عمَّر لأزيد من سنة، وربط هذا المطلب ببقاء أو زوال الحزب محليا، واعتبر أن تشبث القادة السياسيين على المستوى المركزي بالرجل هو إهانة لإرادة القواعد والإخلال بالمنهجية الديمقراطية. لهذا السبب ترك حرية تحديد مصير رئيس جماعة مكناس بيد المكتب السياسي للحزب. هي معركة كسر العظام إذن بين باحجي وتيار الطاهري، فالأول جاء بأجندة محددة وهي القطع مع حقبة التدبير العشوائي والعائلي للحزب بالمدينة، والثاني عازم على إسقاط الأول من رئاسة مجلس الجماعة حتى ولو كلف الأمر التضحية بالحزب على المستوى المحلي جملة وتفصيلا. فهل سيعمل تيار الطاهري بمنطق الأرض المحروقة في حالة بقاء باحجي؟ أم سيرضخ لإملاءات القادة وماذا سيكون الثمن؟
أما التيار الثاني الذي يقوده القندوسي فيرفض فكرة تقديم باحجي لاستقالته ويعتبر أن ما يقع اليوم بمجلس جماعة مكناس غير مبرر وغير مفهوم، وأن المدينة في نهاية المطاف هي من تؤدي الثمن، وأن مسألة بقاء الرئيس أو رحيله بيده وحده على اعتبار أنه المفوض الوحيد من أخنوش دون غيره للبث في شوؤن الحزب بالمدينة ومستقبل رئيسها. وها هو اليوم يصر على بقاء الرئيس ضدا عن ارادة الأحرار بمكناس أو بعبارة أدق ضدا في رغبة تيار الطاهري، وعازم عن الدفاع عن باحجي على المستوى المركزي. وبالتالي فتبني القيادة المركزية موقف هذا الأخير هي رسالة قوية على أن الحرس القديم لحزب التجمع الوطني للاحرار بمكناس لم يعد مرغوبا فيه، ولعل المؤشرات التي سبقت كل هذا المخاض بمثابة إعلان ضمني من المركز على أنه يرغب في تغيير جدري لقيادة الحزب محليا، فمن سيكون البديل، أهو القندوسي؟
فإذا كانت الطامة لدى احرار مكناس تكمن في عجز القيادة المركزية عن اتخاذ القرار أو أنها اتخذته وتنتظر الفرصة المناسبة للإعلان عنه، فالطامة عند الدستوريين أفضع تتمثل في غياب القائد القادر على تدويب الخلافات، وغياب الوضوح والشجاعة السياسية في اتخاذ القرارات. فإذا إستطاع الدستوريون أن يداروا حجم صراعاتهم واصداماتهم، فهذا الأمر لن يطول ونشر الغسيل عاجلا أم أجلا سيخرج للعلن. العارفون بخبايا الأمور واعون أن الدستوريون اليوم يعيشون مخاضا عسيرا بسبب غياب رؤية واضحة لخطة الحزب قادرة على حمله نحو طوق النجاة، ولعل ما زاد الوضع تشنجا تداعيات المؤتمر الوطني العام وانعكاسها على المشهد الحزبي المحلي، وهو ما سنتطرق إليه بالتفصيل في مقال لاحق.
هي تداعيات عمقت الهوة بين تيارين مختلفين في الحزب “الحصان” الاول يمثله “القشاليين” نسبة الى المرحوم إدريس قشال، والثاني يضم الوفدين من التجمع الوطني للأحرار. خلاصة القول أن باححي باقٍ في منصبه كرئيس جماعة مكناس ليس لأن حزبه مركزيا يدعمه وهذه حقيقة لا يختلف إثنان حولها، ولكن لأن سقوطه هو بمثابة إعلان ضمني عن فشل خطة محكمة استغرقت من الدولة الجهد لبوغها.