الجريدة – فؤاد السعدي
تعيش مكناس هذه الأيام كغيرها من مدن المملكة، سعارا وحمى الاستعداد للانتخابات الجماعية. يظهر هذا في بحث بعض الوجوه الانتخابية عن تحالفات تضمن لها موطئ قدم بالمجلس البلدي القادم. الأمر الذي يفرض على بعض محترفي الانتخابات فيما إن أرادوا الظفر بموقع من مواقع التدبير المحلي والحفاظ على الامتيازات التي حققوها خلال هذه الولاية، الانضمام إلى حزب سياسي قادر على تأمين أحد المقاعد بالمجلس البلدي.
ولعل ما يفسر هذا التهافت على مراكز التسيير والتدبير المحلي، هو إصابه هؤلاء بما يسمى داء “الكومينوفيليا” أو حب البقاء بالمجلس البلدي. هذا الحب المرضي يدفعهم إلى نهج كل الممارسات التضليلية و اللاخلاقية، عن طريق استغلالهم لمناصبهم الوظيفية في حملاتهم الانتخابية. وإيهام ذلك مواطن المكناسي المسكين المغلوب على أمره، بأن عملهم الذي يتقاضون عنه أجر شهري من الدولة نضير الخدمات التي يؤدوها تدخل في خانة الحسنة، وليس في إطار الواجب المهني. و في هذه الحالة وجب رد الحسنة بـ “صوت” خلال الاستحقاقات الانتخابية سواء الجماعية أو التشريعية أو المهنية.
وفي هذا الباب سنتطرق إلى موضوع لطالما شغل الرأي العام المكناسي، وشكل موضوع الحديث في المقاهي والتجمعات والصالونات السياسية، حول الطريقة التي أوصلت حوالي عشرة بالمائة من إجمالي المستشارين الحالين إلى مقاعد الاستشارة والتسيير بجماعة مكناس. بحيث نجد أكثر من ثمانية أعضاء بالمجلس ينتمون إلى وزارة الوردي، ونعني بذلك وزارة الصحة، منهم أطباء ومنهم ممرضون، منهم من لا يزال يشتغل بمستشفى الإقليمي محمد الخامس، ومنهم من أحيل على التقاعد، ومع ذلك لا زال مرتبطا بهذا المرفق الصحي العمومي. كونهم يعتبرون هذا المستشفى العمومي وبعض المستوصفات الأخرى ملكا ورثوه عن آبائهم. فيتعاملون بمنطق الزبونية الانتخباوية، وينهجون الأساليب الانتقائية والتفضيلية بين ذوي الحاجة ممن يبحثون عن العلاج والاستشفاء. بحيث تجدهم يفضلون هذا المريض عن ذاك خلال مناوباتهم، لا لشيء سوى لأن هذا سوف يدلي بصوته لصالحهم والأخر لا. فأي منطق هذا؟ وأين الضمير المهني، والحرص على معاملة المرضى على قدم المساواة والذي تمت تأدية القسم عليه؟ ضاعت الأخلاق والقيم عندما بدأنا نرى بعض أصحاب مهنة الملائكة يبيعون ويشترون في مآسي ومعانات الناس. ويتاجرون في مرضهم كأنهم أعداد انتخابية. فأي منطق وضيع هذا الذي بدأنا نرها بمستشفات مكناس. والسلطات الوصية بما فيهم وزارة الصحة، وولاية مكناس، ومندوبية الصحة بمكناس، تقف موقف المتفرج على هذه الفئة المستضعفة من المكناسيين التي يبيع فيها هذا الوبي كيفما يشاء مستغلا عامل الضعف والحاجة. فالسياسي الحقيقي لا يستغل وضيفته لاستمالة الناخبين بل كفاءته ورأسماله السياسي هما الكفيلان بأن ويبوئاه الموقع الذي يطمح إليه.
ولمعاينة هذا الذي نتحدث عنه، ندعو لزيارة مستشفى محمد الخامس وسيدي سعيد وباقي المستوصفات لتلاحظ أن الخدمات التي يسدونها للموالين لهم فاقت حتى خدمات بطاقة “الرميد” والتي أصبحت غير ذي جدوى للعديد من الموطنين المحتاجين، بمعنى انه بمكناس يكفي التقرب من أحد من أفراد “اللوبي الصحي” المُشكل من مستشارين جماعيين لتحصل على العلاج والدواء ما لا تستطيع بطاقة “الرميد” توفيره. فهذه المرافق الصحية من مستشفيات ومستوصفات أصبحت ومن دون أدنى شك بوابة مباشرة للدخول إلى المجلس البلدي، بل وحتى إلى قبة البرلمان. وكمثال على ذلك أحد البرلمانيين الممثلين لمكناس، والمنتمي إلى قطاع الصحة الذي لم يسجل عليه ولو مداخلة واحدة تكشف الأوضاع التي تعاني منها المدينة في القطاع الصحي.
وما حدث خلال الأسبوع المنصرم والأسابيع الماضية من حملات ختان عدد هائل من الأطفال بمستوصف سيدي سعيد، لخير دليل على هذا الاستغلال البشع للمهنة التطبيب، والمتاجرة في ضعف المواطنين واحتياجاتهم. بالإضافة إلى معانات المكناسيين مع موضوع التشخيص “السكانير” الذي كلما طالب به المواطن إلا تصده عبارة “خاسر” أي غير مشغل، ولكن بقدرة قادر يصبح “صالحا” كلما تعلق الأمر بالمولين لهؤلاء المنتخبين.
الأمر الذي ينبأ بأن قطاع الصحة بمكناس أصبح في خندق خطير، و وجب التدخل بشكل عاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فهذا الوضع الكارثي نعيشه بشكل يومي، وهو أمر وجب على الجميع فضحه لا التستر عليه، لان الوزارة تتحمل فيه كامل المسؤولية.
فؤاد السعدي – الجريدة
