حالة من ترقب المليئة بالحذر تلك التي يعيش عليها الشارع المكناسي منذ انعقاد جلسة انتخاب رئيس جماعة مكناس ونوابه وما تخللتها من أحداث دراماتيكية قد تنعكس سلبا على مسار التدبير الجماعي، لعل أبرزها تلك الفضيحة التي فجرها أحد مستشاري حزب التجمع الوطني للأحرار عندما صرح بأنه تعرض للابتزاز من طرف “الأب الروحي” والمنسق الإقليمي للحزب بمكناس من خلال مطالبته بأداء مبلغ 30 مليون سنتيم مقابل ترتيبه بمرتبة متقدمة في اللائحة الجماعية و50 مليون حق تنصيبه نائبا للرئيس، وهي التصريحات التي فتحت فيها النيابة العامة تحقيقا لمعرفة اسباب وملابسات هذه القضية التي لن يكشف تفاصيلها إلا القضاء.
وإلى أن تقول العدالة كلمتها سنعود الى مراسيم تنصيب الرئيس الجديد الذي فاز بما مجموعه 39 صوتا من أصل 61 مقعد المخصص للمجلس جماعة مكناس، 17 منها منحها حزب الاتحاد الدستوري والاحرار والاستقلال والاتحاد الاشتراكي مقابل حصول ممثليها على نيابة أو نيابتين أو رئاسة لجنة على الأقل بحسب عدد المقاعد التي حاز عليها كل حزب وفق ما تمليه قواعد التحالفات. في حين خرج ممثلوا باقي الأحزاب الأخرى بخفي حنين في مشهد يعصى على الفهم والاستيعاب للوهلة الأولى، غير أنه عند النبش في سيرة هؤلاء المستشارين وفي تاريخهم المعروف سنفهم الأسباب الحقيقية وراء دعمهم لباحجي وتزكيته ليكون رئيسا لجماعة مكناس.
فلم يجد الرئيس الجديد أدنى صعوبة في اقناع هؤلاء المستشارين بالبرنامج التنموي المؤسس على المنطق الحكاوتي الذي يعتمد فيه على عنصرين تأهيل المناطق الخضراء وتثبيت بضع الحاويات. وقد اعتمد في هذا البرنامج على تصور استقاه من تجربة شخصية. وحسبما يقول في إحدى حكاياته أمام بعض الصحفيين المنتقيين بعناية لتطبيل له، أنه في أحد الايام عندما كان في طريقه الى مكناس قادما إليها من مطار فاس سايس لم يجد ولو حاوية واحدة يرمي بها قنينة ماء معدني فارغة، لتستقر في ذهنه حينذاك فكرة تثبيت الحاويات بالمدينة. بالإضافة الى أن العامل الذي سهل ماموريته هو معرفته الجيدة بالمنتخبين الناجحين واللعب على نقاط ضعفهم لاستمالتهم لصالحه، ودائما ما كانت الحكاية تلعب دور حجر الزاوية في هذا الأمر. نعم فلهؤلاء نقطة ضعف وحيدة هي مكناس ولا شيء غيرها ولن يقبلوا عنها بديلا، ويكفي أنهم تحملوا عناء السفر من “حر مالهم” الى مدينة افران خلال فترة الاعداد للتحالفات هربا من شبهة المساومات. إنها المروؤة وسمو الاخلاق ياسادة، إنه الشرف المتجدر في مستشارين رفضوا الخضوع لكل أشكال الاغراءات في سبيل مدينة الملوك، ولأجل عيون ساكنتها، لقد أعطى هؤلاء المستشارون دروسا في السياسة لمن يهمهم الأمر عندما رفظوا ان يساوموا مثلما تساوم اكباش الأضاحي ليلة العيد. مرسخين بذلك لثقافة الأيادي النظيفة والتعفف عن المال السياسي الحرام. وهم بهذا الفعل يكونوا قد أثاروا المصلحة العامة على كل مصلحة شخصية ضيقة وأبانوا في أول امتحان لهم أنهم زاهدون عن المناصب والمكاسب، وأن دعمهم للرئيس الجديد جاء بعد تفكير عميق، سبقته خلوة باحد فنادق افران، ليستقر الرأي عليه في الأخير لأنه قدم ما لم يقدمه غيره، من الضمانات لإنقاذ مكناس طبعا، وليس شيئا آخر كما يعتقد بعض الحاسدين المشككين في نزاهة هؤلاء والعياد بالله.
والدورة العادية للمجلس الجماعي التي سيتم تخصيصها للمصادقة على النظام الداخلي وانتخاب رؤساء اللجن ونوابهم ستؤكد بما لا يدع مجالا للشك صدق نوايهم أمام الرأي العام المكناسي، وبأنهم قدموا للدفاع عن مصلحة المدينة بنكران الذات، وليس من أجل الامتيازات، ويكفي أنهم لم يقبلوا اي عرض سوى ذلك الذي قدمه الرئيس الجديد بعدما حجوا جماعة لطلب وده في مشهد يجسد مدى الحب الذي يكنونه للمدينة. وليس غريبا أن نسمع بأنهم سيقدموا احد المرشحين من بينهم للتباري على مقعد بمجلس المستشاريين، في بادرة يتحولوا من خلالها من مشجعين الى لاعبيين. وبالتالي يقطعوا مع زمن “التطبال” من خارج أسوار المجلس الى داخله، ولما تجاوزه واحراز مقعد بالبرلمان.
لقد منحهم الناخبون المكناسيون شرف تمثيلهم في مجلس الجماعة، والترافع في ملفات من الصعب فك شيفراتها، وكما يقول المثل المغربي “لي قال العصيدة بارة يدير يدو فيها” فهؤلاء المستشارون عازمون على وضع أيديهم في “العصيدة” مهما كانت النتيجة، لأنهم فهموا أن الحوم حول “العصيدة” أفضل بالكثير من السماع بها. فطوبى لمكناس بأبنائها المتعطشين للعصيدة التي حتما سيتحملون لهيبها فداء للمصلحة.