على الرغم من السباق المحموم بين مئات المرشحين للوصول إلى قبة البرلمان والحصول على شرف تمثيل الأمة، إلا أن خيبة الأمل هي التي تسيطر على العلاقة بين النواب وناخبيهم من اللحظة التي تنتهي فيها مراسيم إعلان النتائج واستقبال التهاني بالفوز إلى اللحظة التي ينتهي فيها دور النائب.
ويرجع السبب في توالي خيبات الأمل إلى عشرات العوامل التي ليس اقلها الالتباس في دور النائب البرلماني، والتباين الواضح بين الدور الذي يقوم به فعلا، والدور الذي ينبغي القيام به. فمهام هذا الأخير لا تقتصر فقط على رسم توجهات الأمة وأهدافها الوطنية، أو وضع التشريعات التي تسهل على الأمة الوصول لغاياتها، وتنظيم قدراتها وإمكاناتها، أو إقرار خطة عمل السلطة التنفيذية والرقابة وتصحيح كل انحرافاتها في حالة حدوثها، بل يعتبر الممثل الفعلي لإرادة الأمة، العامل لحسابها ولمنفعتها.
كثير من ممارسات المؤسسة التشريعية تستحق التوقف مطولا خصوصا عندما نصطدم بنواب يفتقرون إلى القدرة على الاقتراح والإلمام بالمشاكل المجتمعية، وأيضا عدم القدرة على تكييف القوانين مع متطلبات التطور المجتمعية، لأن مثل هذه المهام تتطلب مستوى تعليمي عالي، وغيابه يعطي انطباعا سلبيا على صورة الأداء البرلماني وعلى حصيلته، وقدرته على ممارسة وظائفه الأساسية كقوة اقتراحية وقوة تفاعلية.
ضعف أداء النائب البرلماني يعود أساسا إلى غياب أحزاب سياسية حقيقية قادرة على تزكية نخب سياسية قوية وبمستوى تعليمي وثقافي عالي. كما أن هذا الضعف يؤدي إلى الاهتمام بمحددات المال والجاه والنفوذ بدل الكفاءة والخبرة والأهلية، وهو ما يساهم في إفراغ المؤسسة البرلمانية من محتواها، وتحويلها إلى “مؤسسة أشباح”. الشيء الذي يدفعنا إلى طرح سؤال ماهية الدور الذي يمكن أن يقدمه البرلماني الأمي للدولة وللمجتمع وأي إضافة سيقدمها في الجانب التشريعي والرقابي والدبلوماسي؟
نتفهم أن الديمقراطية مجرد حصان طروادة للنهب والفساد واستنزاف الخيرات والمقدرات الوطنية بشكل ناعم وغير مثير، لكن ما لا نفهمه هو إصرار العجزة على الاستمرار في التواجد بالبرلمان، وعودة المال والأثرياء والباطرونا للتأثير على الإرادة الشعبية في ظل أزمة الثقة العميقة. إصرار هؤلاء على العودة إلى البرلمان ليس من أجل الدفاع عن مصالح المواطنين والترافع لتحقيق مطالبهم، ولكن تحقيقا لنزواتهم الشخصية وطلبا للقب “البرلماني”، وحفاظا على الصورة الاجتماعية.
هنا لن نتحدث عن شيخ البرلمانيين عبد الواحد الراضي الذي دخل موسوعة “غينيز” كتراث برلماني، لكن عن المنعش العقاري محمد الزموري عن حزب الاتحاد الدستوري العازم على إتباع نفس مسار الراضي في عدد الولايات البرلمانية مع فارق بينهما وهو أن الأول كان قيمة مضافة داخل المؤسسة التشريعية وشغل عدة مهام بها، والثاني بدون قيمة تذكر، لدرجة أن حضوره للمجلس يقتصر فقط على ملئ المقعد ورفع اليد للتصويت. ولعل حصيلة ولايته الأخيرة كافية للحديث عن الدور الذي كان يلعبه، وماذا قدم لدائرة طنجة أصيلة التي منحته شرف تمثيلها؟ ففي الوقت الذي عملت الأحزاب السياسية بطنجة على تزكية وجوه جديدة لخوض غمار الانتخابات البرلمانية لا زال الاتحاد الدستوري متشبث بالزموري رغم بلوغه من الكِبر عُتيا، فهل يعاني الحزب الشلل والقصور أم هناك خطب ما؟
الصدمة الكبرى عندما نعلم أن الزموري لم يطرح طلية ست سنوات من ولايته البرلمانية ( 2015-2021 ) إلا سؤالين يتيمين، الأول حول الأحياء الهامشية بمدينة أصيلة (2018)، والثاني حول وضعية المدرسة القرآنية العتيقة (2019)،في حين ولو سؤال شفوي واحد منذ وطئت قدماه أرض البرلمان، وتقاضى تعويضا عن الولاية البرلمانية وصل الى أزيد من 2 مليون 500 درهما، بمعنى أن قيمة السؤال الواحد وصلت الى مليون و250 ألف درهما. ومع هذا مصمم على الترشيح مرة أخرى باسم نفس الدائرة التي لم يقدم لها أي شيء رغم أنها أعطته كل شيئ. فهل يمكن أن نعتبر الناخب الطنجاوي بريئا تجاه كل ما يجري له؟ أليس مسؤولا بدرجة ما عن وضعه ما دام هو المسؤول عن إفراز مثل هذه الأسماء؟
مستقبل طنجة بين أيدي ساكنتها، عليهم المعول،فهم المطالبون بالتصويت، وأصواتهم فوق أي مبلغ يقدمه من يرى أن الرأسمال البشري غنيمة وصفقة من صفقات الاستغناء والتباهي بالانتصار على الآخر، والثامن من شتنبر المقبل، تاريخ سيحدد فيه الطنجاويون مصيرهم، ومحطة حاسمة في بناء الصرح الديمقراطي لوطننا الحبيب، واجبنا إذن كمواطنين مغاربة وطنجاوين، أن نكون في الموعد وأن نختار الأنسب، اقتداء بكلام جلالة الملك حفظه الله “فإن جعلتم على رؤوسكم فاسدين في مدنكم وقراكم، فلا تقبل منكم الشكايات فأنتم المسؤولون على تدهور حقوقكم وحق بلدكم عليكم“.