الجريدة ا هيئة التحرير
بات التماسك السياسي للأغلبية الحكومية مهددا بتصدع غير مسبوق، على خلفية التطورات المتسارعة التي يشهدها ملف الدعم المالي الاستثنائي المخصص لقطاع المواشي، والذي تحول في الأوساط الشعبية والمنصات الرقمية إلى قضية رأي عام تعرف بـ”دعم الفراقشية”.
وحسب ما توفر للجريدة من معطيات طبخ كواليس الأغلبية، فإن هناك خطوط اتصال ساخنة ومكثفة جرى فتحها في الساعات الماضية لإقناع حزب التجمع الوطني للأحرار بالانضمام إلى مقترح تشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق. هذا المسعى الاستكشافي يقوده حليفا الأغلبية؛ حزبا الاستقلال والأصالة والمعاصرة، اللذان يواجهان “فيتو” صامتا وصارما من طرف رئيس الحكومة وقيادات حزبه، الذين يرفضون بشكل قاطع الاعتراف بوجود أية اختلالات أو ثغرات تدبيرية شابت ملايين الدعم الموجهة للمستوردين.
المثير في مسار هذا التدافع، هو لجوء حزبي “الميزان” و”الجرار” إلى منطق الضغط السياسي الواضح؛ إذ تؤكد مصادرنا أن الاتصالات الجارية مع “حزب الحمامة” وضعت صيغة الموقف الموحد كخيار تفضيلي، لكنها حملت في طياتها تلويحا جادا بأنه في حال استمرار رفض التجمعيين، فإن نواب الاستقلال والأصالة والمعاصرة يتجهون نحو التوقيع المنفرد على مبادرة لجنة تقصي الحقائق، بالتحالف الموضوعي مع فرق المعارضة.
هذا السيناريو، إن تحقق، سيعني عمليا نقل الصراع من الرقابة البرلمانية العادية إلى مواجهة دستورية مكشوفة؛ حيث يمتلك الحزبان المعنيان (الاستقلال والبام) رفقة المعارضة النصاب العددي القانوني المطلوب لتفعيل الفصل 67 من الدستور والمادة 10 من القانون التنظيمي رقم 085.13، والذي يشترط توقيع ثلث أعضاء مجلس النواب (132 نائبا) لولادة اللجنة، مما يجعل “فيتو” الأحرار بلا قيمة عددية في تجميد المبادرة.
ومع ذلك، فإن قراءة الأبعاد الزمنية والمسطرية لهذا الملف تكشف أن معركة “دعم الفراقشية” قد تكون معركة إستراتيجية بعيدة المدى؛ إذ إن إجراءات إطلاق اللجنة، وتثبيت هياكلها، ثم الشروع في جلسات الاستماع الطويلة والمعقدة للمسؤولين والوزراء المعنيين بقطاعي الفلاحة والمالية، ستستغرق وقتا طويلا ومساطر معقدة، مما يرجح فرضية ترحيل ورفع تقريرها النهائي ليكون مؤجلا إلى مرحلة الحكومة المقبلة.
هذا التوقيت السياسي الحرج يحول لجنة تقصي الحقائق من أداة رقابية آنية إلى قنبلة موقوتة وورقة ضغط سياسي وانتخابي حارقة، تشهر في وجه المقاربة الحكومية التي عجزت، رغم ملايين الدعم وإعفاءات الرسوم الجمركية، عن كبح جماح أسعار اللحوم الحمراء بالأسواق الوطنية، تاركةً المواطن البسيط يواجه لهيب الغلاء، بينما يواجه التحالف الحكومي شبح التفكك من الداخل.