كشفت لائحة رؤساء الأقسام التي أصدرتها جماعة مكناس الأسبوع المنصرم، إصرار الرئيس عبد الله بوانو، على التطبع مع الفساد وأذنابه، وأن اسطوانة المنقذ المشروخة التي ما فتئ يتغنى بها بمناسبة، ومن غير مناسبة، لا تعدو أن تكون لحنا نشازا يصم الآذان. ففي وقت كان الجميع ينتظر أن تشمل لائحة تعينات رؤساء الأقسام المعتمدة في الهيكلة الجديدة، أسماءً عُرفت بمؤهلاتها ونزاهتها وكفائتها، خرج علينا الرئيس بلائحة أقل ما يمكن القول عنها أنها تكرس لمنطق المحاباة والولاءات السياسية وفي بعض الأحيان ولتصفية الحسابات في أحيان كثيرة.
وتبين من خلال قراءة هذه التعينات التي وصفت بالكارثية، أن الرئيس نزع عنه عباءة محارب الفساد التي لبسها أيام الحملات الانتخابية لتظليل الناخبين، ليرتدى عباءة التطبع معه، بعدما نال الثقة، وأصبح على رأس جماعة مكناس. وأولى مظاهر هذا التطبع، ترقية رئيس قسم تنمية الموارد المالية للجماعة سابقا، إلى منصب مدير للمصالح. وهو ما اعتبره العارفون بدهاليز الجماعة، أمرا طبيعيا وتصرفا متوقعا، من رئيس أراد مجازاة واحد من مطيعيه وكاتمي أسرار “طبخات” الماضي. أيام كان الأول، مقررا للميزانية الجماعة والثاني جابيها. وحتى نعرف السر وراء هذا التعين “اللغز” سنحاول النبش في الماضي، لنعطي الفرصة أولا، لأولي النهى لاستنباط ما يقع اليوم من فوضى في تدبير الشأن الجماعي، وثانيا حتى لا تُفهم كتاباتنا على أنها تحامل على شخص أو هيئة ما، في حين أنها لا يعدو أن تكون انتقادا لممارسة مسؤول لم نرى منه إلى حدود الساعة ولو مجرد إشارات توحي بتفعيل الشعار الذي أتى من أجله وهو “محاربة الفساد”. وطبيعي أن يحضي مدير المصالح بكل هذا “الكرم البواني” اللامنتهي، وتُفوض له بمقتضى قرار جماعي كل اختصاصات الرئيس سواء في مجالات التسيير الإداري أو الأمر بالصرف، وهو تصرف لم يُقدم عليه بوانو حتى مع المقربين منه، فما بلك بموظف جماعي، رغم أن “الكوبل” كانا مهندسين للعديد من العمليات الفاشلة خلال ولاية بلكورة، والنموذج تجزئة “راس أغيل”، والأسواق النموذجية، وما خفي كان أعظم سأتي الحديث عنها في حينها.
فإما أن الرئيس يريد أن يُقدم مدير المصالح ككبش فداء عند المحاسبة، وإما هي الرغبة في التعامل مع من لا يجرأ على قول كلمة “لا” في حضرت الرئيس، من ماسحي أحدية الرؤساء، ولعله المعيار الأبرز “مسيح الكابة” الذي تم اعتماده لغختيار رؤساء الأقسام وفق الهيكلة الجديدة، بدليل عودة نفس الوجوه تقريبا لتسير الأقسام مع تغيرات شكلية لذر الرماد في العيون. فإذا كان الرئيس قد اتهم المجلس السابق بالفساد، لماذا أبقى اليوم على أدواته، بل ومكنهم حتى من الوسائل من أجل الإشتغال في أريحية؟ ألم يطبق بهذا السلوك مقولة “ديب حلال ديب حرام”؟ فلو كانت له الرغبة الفعلية في تطبيق برنامج الاصلاحات كما وعد به، كان لازما عليه أن يركز على الجوانب المتعلقة بحسن استعمال الموارد البشرية المشهود لها بالفعالية والنزاهة والكفاءة، وليس باعتماد منطق الشخصانية وثقافة “الشيخ والمريد”.
ويبدو أن الرئيس في غمرة تركيزه على الحسابات السياسية الضيقة، والدوافع الانتقامية، قد تناسى أن الرغبة في إحداث تغيرات جوهرية في إدارة الجماعة، يقتضي العمل بمبدأ الحكامة الجيدة، وتكريس منطق تكافؤ الفرص في اختيار رؤساء الأقسام، وذلك عن طريقة تناول وافتحاص الترشيحات بالاعتماد على معايير مرجعية دقيقة وموضوعية لتحسيين منظومة تدبير الموارد البشرية. ولن نقف هنا عند الاختلالات التي شابت عملية الترشيح لشغل هذه المناصب، وكيف حاول بعض إخوان الرئيس من المستشارين حث بعض الموظفين المولين لهم لوضع طلبات ترشيحاتهم حتى خارج الآجال من أجل تمرير أجنداتهم الحزبية والنفعية حتى لا نتهم بالمزايدة، بل سنحاول إعطاء الدروس كما تعودنا دائما، وهذه المرة للرئيس ومن يواليه في غيه، إما بعلم منه أو من دون علم، لنذكر أن تعيين رؤساء الأقسام والمصالح من بعدها يستوجب تحديد الإجراءات الواجب اعتمادها مسبقا بناء على معايير الكفاءة والاستحقاق مع الحرص على فتح الأبواب أمام المرأة لتمكينها من نفس الفرص المتاحة للرجل طبقا لمبدأ المناصفة الذي حث عليه الدستور، وتنفيذا للإرادة السياسية الواضحة في مجال مقاربة النوع. وبالتالي مأسسة مبدأ المساواة بين الجنسين، وهو ما لم يتم تفعيله في لائحة تعيين رؤساء أقسام مكناس، لنجد في هذه اللائحة امرأة واحدة بين تسعة رجال. بالإضافة إلى أنه لم يتم وضع استراتيجية فعالة تمكن من معرفة كفاءة الموظف، وتقييم أداءه عن طريق حثه على إعداد تصور لطريقة تدبيره للقسم يعرض على لجنة يتم اختيارها وفق مقاربة سياسية وتقنية، يعود لها قرار قبول طلب المرشح أو رفضه. فلماذا إذن غض الرئيس الطرف على الدلائل المرجعية بالرغم من أنها تعد لبنة أساسية لإرساء آليات التدبير العقلاني للإدارة.
الرئيس لم يكفيه أنه لم يعتمد على القواعد المتبعة في تعيين رؤساء الأقسام، بل ذهب إلى حد مخالفة القانون عندما قام بتعين طبيبة بيطرية على رأس قسم حفظ الصحة والمحافظة على البيئة ضاربا بذلك عرض الحائط القرار الوزاري الصادر بتاريخ 8 أبريل 1941 المتعلق بالمجلس المركزي واللجن الجهوية لحفظ الصحة والنظافة العمومية المنظم للمكاتب البلدية لحفظ الصحة، والذي يحث على تعين طبيب الطب العام خريج كلية الطب، وليس طبيب بيطري خريج معهد الفلاحة والبيطرة الذي لا تتجاوز حدود مسؤليته داخل الجماعة “مصلحة اسْعر” ، ومع أن هذا القسم كان يرأسه طبيب يملك من الخبرة والكفاءة والتجربة ما يؤهله لإبقائه في نفس القسم، إلا أنه تم الاستغناء عنه حتى يطيب خاطر نائبه الخامس وأخ المعينة في القسم عسى أن يريحه من خرجاته المزعجة. وهو بهذا التصرف أخلف القانون رغبة في القطع مع “صداع الراس”. وما يقال عن هذا القسم يقال عن القسم الثقافي والرياضي والاجتماعي، وكيف تم إقصاء رئيس القسم السابق لمجرد أنه رفض منطق التعليمات، وأن الشأن الثقافي يجب أن يسيير وفق مقاربة شمولية وليس بمنطق حزبي صرف لأنه ملك كل المكناسيين، وليس حكرا على حزب العدالة والتنمية. ولا يكفي أن النائبة السادسة المفوض لها في قسم الشؤون الثقافية والاجتماعية والرياضية “مكيتسرط لهاش” حتى يتم إعفائه.
السؤال الذي يستعصي على الفهم، هو كيف لرئيس ما فتئ يدافع على مبدأ الديمقراطية التشاركية في كل وقت وحين، أن يتخلى عنه في أول امتحان له، بعدما لم يشرك المعارضة في اختيار رؤساء الأقسام، رغم أن هذه الأخيرة كان لها الفضل في توجهه ليتدارك العيوب التي شابت الهيكلة الإدارية التي كانت ستجعل من مجلس مكناس أضحوكة لو تم رفعها بصيغتها الأولية إلى وزارة الداخلية. فإلى متى سيحقق بوانو وعدا قطعه على نفسه؟ ومتى سينهي الكلام ليقوم إلى الفعل؟