الجريدة | هيئة التحرير
تستعد الحكومة لإعادة ترتيب الوضعية المالية لـ40 مركزا استشفائيا عموميا موزعا على خمس جهات، من خلال إنهاء نظام التدبير المالي المستقل الذي تخضع له هذه المؤسسات مع بداية سنة 2027، استنادا إلى مقتضيات المادة 12 من مشروع قانون المالية، وبما ينسجم مع المستجدات المرتبطة بإحداث المجموعات الصحية الترابية (GST).
ويقضي المشروع بحذف المؤسسات الاستشفائية المعنية من قائمة مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة، المعروفة اختصارا بـ(SEGMA)، وهو النظام الذي كان يسمح لها بالتوفر على ميزانيات مستقلة وتحصيل بعض المداخيل وتخصيصها لتغطية نفقات التسيير والتجهيز، وفق الضوابط المعمول بها في المحاسبة العمومية.
ولا يرتبط هذا الإجراء بإغلاق المستشفيات أو تعليق خدماتها الطبية، بل يتعلق بتغيير طريقة تدبير مواردها ونفقاتها، من خلال إنهاء العمل بميزانياتها المستقلة وإخضاعها لنمط التدبير المالي المعتمد على مستوى المجموعات الصحية الترابية، التي تتولى تنسيق وتدبير المؤسسات الصحية العمومية داخل كل جهة.
• 40 مركزا استشفائيا موزعة على خمس جهات
وتتصدر جهة الدار البيضاء سطات قائمة المؤسسات المعنية بهذا التحول، بـ16 مركزا استشفائيا تشمل مؤسسات صحية بالدار البيضاء والمحمدية والجديدة وسطات وبنسليمان والنواصر وبرشيد وسيدي بنور ومديونة.
وتشمل العملية، أيضا، سبعة مراكز استشفائية بجهة الرباط سلا القنيطرة، موزعة بين الرباط وسلا والصخيرات تمارة والقنيطرة والخميسات وسيدي قاسم وسيدي سليمان، إلى جانب ثمانية مراكز بجهة فاس مكناس، توجد بفاس ومكناس وبولمان والحاجب وصفرو وإفران وتاونات وتازة.
وعلى مستوى جهة سوس ماسة، ستشمل التغييرات ستة مراكز استشفائية بأكادير وإنزكان آيت ملول وتارودانت وتيزنيت واشتوكة آيت باها وطاطا، فيما تمتد إلى ثلاثة مراكز بجهة العيون الساقية الحمراء، بكل من العيون وبوجدور والسمارة.
وبموجب المقتضيات الواردة في المشروع، ستُحوّل الأرصدة المالية المتبقية في ميزانيات هذه المؤسسات، إلى غاية 31 دجنبر 2026، إلى الميزانية العامة للدولة، ضمن باب المداخيل المختلفة، دون تحديد القيمة الإجمالية للمبالغ التي ستشملها هذه العملية.
• نقل الاستقلال المالي من المستشفى إلى المستوى الجهوي
ويشكل هذا التغيير جزءا من الدينامية التي يشهدها إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب، في ظل اعتماد القانون رقم 08.22 المنظم لإحداث المجموعات الصحية الترابية، باعتباره آلية أساسية لتنزيل الرؤية الإصلاحية التي جاء بها القانون الإطار رقم 06.22.
ويرتكز هذا النموذج على جمع المؤسسات الصحية العمومية التابعة لكل جهة ضمن مؤسسة عمومية واحدة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، بما يتيح توحيد آليات التدبير والتخطيط وتنسيق توزيع الموارد البشرية والمالية، وفق الأولويات والحاجيات الصحية المسجلة على المستوى الجهوي.
وبموجب هذا التوجه، تنتقل صلاحيات التدبير التي كانت تمارسها المؤسسات الاستشفائية بشكل منفرد إلى المجموعات الصحية الترابية، التي تتولى الإشراف على الموارد وتوزيع الإمكانيات بين المستشفيات ومؤسسات الرعاية الصحية الأولية، في إطار تصور جهوي موحد للعرض الصحي.
ويبرز هذا التحول انتقالا من نموذج مالي قائم على استقلالية كل مستشفى إلى مقاربة تدبيرية موحدة، تسعى إلى تعزيز التكامل بين المؤسسات الصحية وضمان استخدام أفضل للموارد المتاحة وفق الحاجيات المطروحة.
غير أن هذا النموذج يطرح، في المقابل، تساؤلات بشأن مدى قدرة المستشفيات على الاحتفاظ بهوامش كافية من المرونة في تدبير احتياجاتها اليومية، خاصة ما يتعلق بالتجهيزات والصيانة والمستلزمات الطبية والاستجابة السريعة للمتطلبات المرتبطة باستمرارية الخدمات الصحية.
• توسيع تدريجي للمجموعات الصحية الترابية (GST)
وقد شرعت الحكومة في تفعيل هذا النموذج بشكل تدريجي، انطلاقا من جهة طنجة تطوان الحسيمة، التي شكلت أول تجربة عملية لإرساء المجموعات الصحية الترابية، قبل توسيع نطاق التجربة خلال سنة 2026 ليشمل خمس جهات إضافية.
وفي هذا السياق، دخلت المجموعات الصحية الترابية بجهات الرباط سلا القنيطرة وسوس ماسة والعيون الساقية الحمراء حيز العمل في فاتح غشت 2026، فيما انطلقت المجموعتان الخاصتان بجهتي الدار البيضاء سطات وفاس مكناس في فاتح شتنبر من السنة نفسها.
ويسعى مشروع قانون المالية المقبل إلى تجاوز الاختلال القائم بين أنماط التدبير المالي المعتمدة والهيكلة الجهوية الجديدة للمستشفيات، بعدما استمرت ميزانيات بعض المؤسسات الاستشفائية في الخضوع لنظام مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة.
ومن المنتظر أن ينعكس هذا التغيير على آليات إعداد الميزانيات وتتبع النفقات ومراقبة الموارد، إذ ستندرج التدفقات المالية للمؤسسات المعنية ضمن الإطار المالي للمجموعات الصحية الترابية، بدلا من عرضها بصورة مستقلة ضمن ميزانيات مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة.
كما سيخضع تدبير ميزانيات المجموعات لآليات المصادقة والرقابة المالية المرتبطة بها، بما يعيد تنظيم العلاقة بين المؤسسات الاستشفائية والجهات المكلفة بالإشراف على مواردها وتحديد أولويات الإنفاق.
• تراجع الموارد الإجمالية لمرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة
وبالتوازي مع هذه التغييرات، يرتقب أن تتراجع الموارد الإجمالية لمرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة من نحو ملياري درهم سنة 2026 إلى حوالي 1.68 مليار درهم سنة 2027، في سياق التعديلات التي تشمل عددا من المؤسسات العمومية، وفي مقدمتها المستشفيات المنتقلة إلى نظام التدبير الجهوي.
وفي المقابل، ستواصل مؤسسات صحية أخرى العمل بنظام التدبير المستقل خلال المرحلة الانتقالية، خصوصا في الجهات التي لم تدخل مجموعاتها الصحية الترابية حيز التشغيل بعد، في انتظار استكمال تعميم هذا النموذج على الصعيد الوطني.
ويتزامن هذا الورش مع توجه الحكومة إلى تعزيز الموارد المالية والبشرية للقطاع، من خلال تخصيص اعتمادات تناهز 45.4 مليار درهم لقطاع الصحة والحماية الاجتماعية برسم سنة 2027، إلى جانب إحداث 5400 منصب مالي جديد.
وتهدف هذه التدابير إلى دعم مسار إصلاح المؤسسات الصحية، من خلال الارتقاء بتجهيزاتها وتنظيمها، وتحسين ظروف عمل الأطر الطبية والتمريضية، وتعزيز العرض الصحي العمومي. وتظل فعالية هذا المسار مرتبطة بمدى انعكاس التغييرات التنظيمية على تدبير الموارد، وتقريب الخدمات الصحية من المواطنين، والحد من التفاوتات في الاستفادة منها.