متابعة | هيئة التحرير
وجدت مدينة روتردام الهولندية نفسها، منذ يوم الأربعاء المنصرم، تحت تأثير صدمة مجتمعية وأمنية بالغة، عقب توقيف شاب مغربي يبلغ من العمر 22 عاما، للاشتباه في تورطه في اعتداء وحشي ومحاولة اغتصاب استهدفت طالبة شابة في ريعان شبابها، في واقعة لم تثر السخط الشعبي فحسب، بل أعادت تأجيج النقاشات السياسية الحارقة حول ثغرات منظومة اللجوء في البلاد.
ووفقا لما أفادت به صحيفة “دي تيليغراف” واسعة الانتشار، فقد نجحت الأجهزة الأمنية في محاصرة المشتبه فيه وتوقيفه بمحطة القطار في مدينة دوردريخت، وذلك بعد وقت وجيز من تعميم صورته المستخرجة من كاميرات المراقبة، وهو التحرك الذي جاء عقب تحريات مكثفة كشفت أن المعني بالأمر كان يقيم في أحد مراكز استقبال طالبي اللجوء، وينتمي لفئة المهاجرين المنحدرين من دول تصنفها السلطات الهولندية “بلدانا آمنة”، مما يعني قانونا أن وجوده فوق الأراضي الهولندية يفتقر لأي مبررات إنسانية قاهرة، وأن ملف لجوئه كان محكوما عليه بالرفض سلفا قبل ارتكابه لهذا الفعل الإجرامي.
وتعود فصول هذه الجريمة التي هزت أركان السلم الأهلي إلى نهاية الأسبوع الماضي، حينما كانت الضحية، وهي طالبة تبلغ من العمر 19 عاما، عائدة إلى بيتها في ساعة متأخرة، لتجد نفسها محاصرة داخل زقاق منزو من قبل المعتدي الذي أشهر في وجهها سكينا وانهال عليها بضربات عنيفة كادت أن تودي بحياتها، قبل أن يحاول تنفيذ اعتداء جنسي بشع تحت التهديد بالتصفية، لولا اليقظة العفوية لأحد سكان الحي الذي استجاب لصرخات استغاثتها المدوية، مما أجبر المهاجم على الفرار تاركا وراءه ضحية في حالة صحية ونفسية حرجة استدعت نقلها فورا إلى المستشفى.
وقد خلفت هذه الواقعة حالة من الذعر الحضري في روتردام، خاصة بين فئات الطلبة، مما دفع العمدة كارولا شوتن إلى الخروج بتصريح رسمي عبرت فيه عن ذهولها من بشاعة العمل الإجرامي، مشددة على أن ما تعرضت له الطالبة يمثل انتهاكا صارخا للأمن الشخصي، مع الإشادة بالسرعة القياسية التي مكنت الشرطة من فك شفرات القضية وتوقيف الجاني.
وبعيدا عن الشق الجنائي الصرف، تبرز في هذه القضية أبعاد سياسية واجتماعية بالغة الخطورة؛ فالمشتبه فيه يمثل نموذجا لـ “المهاجر العابر للقوانين” الذي يستغل ثغرات المساطر القانونية وفترات معالجة طلبات اللجوء الطويلة للبقاء فوق الأراضي الأوروبية دون صفة قانونية حقيقية، وهو ما يضع الحكومة الهولندية أمام إحراج كبير حول كيفية مراقبة القاطنين في مراكز الاستقبال، خاصة المنحدرين من “الدول الآمنة”.
لا يسيء قوع مثل هذه الجرائم فقط لصورة الجاليات المهاجرة المندمجة، بل يمنح وقودا مجانيا لتيارات اليمين المتطرف للمطالبة بإجراءات ترحيل قسرية وفورية، كما يفتح النقاش حول ضرورة “التنسيق الأمني الاستباقي” لضبط السير الذاتية للوافدين قبل تغلغلهم في قلب المدن، وتفادي تحول ملاجئ الإيواء إلى بؤر لتصدير العنف الجنائي عوض أن تكون فضاءات إنسانية لمن يستحق الحماية فعلا.