بقلم/ ذ.فؤاد السعدي
يحكي أنه في قديم الزمان، كانت جماعة من البدو الرحل، مسافرين في إحدى الوديان، وحين شعورهم بالتعب من السفر، قرروا نصب خيمتهم في مكان على الوادي بالقرب من الجبل، وبينما هم جالسون يتناولون القهوة شاهدوا بعض الرمال والحجارة الصغيرة، تتساقط من أعلى الجبل، حينها شعر جميع الجالسين بالخوف الشديد ظنا منهم أن خطرًا قادمًا، أو زلزالًا أو بركانًا، ونهضوا مسرعين من المكان، وبدؤوا بمراقبة الجبل جيدًا. وبعد قليل خرج من أحد الجحور في الجبل فأرا، وفر أمامهم مسرعًا في الجانب الآخر من الوادي، فانفجر الجميع ضحكا، وعندئذ قال شيخ كان معهم “تمخض الجبل فولد فأرا”. وأصبحت تلك الجملة مثلا شهيرا جدًا تناقلته الأجيال فيما بعد عبر الأزمنة في إشارة الى أن حجم الإنجاز لم يكن في مستوى الجهد والوقت.
كثيرة هي المؤسسات والهيئات التي تتمخض فئراناً، تسمع لها ضجيجاً إعلامياً، وتعلن عمّا سوف تقوم بعمله وليس ما قامت بإنجازه، بمعنى الأقوال أكثر من الأفعال، تماما مثلما حصل بجماعة مكناس عندما سمعنا أن 47 مستشارا ومستشارة قاموا بالتوقيع على عارضة يدعون من خلالها الرئيس جواد باحجي بعقد دورة استثنائية لمناقشة جدول أعمال يضم نقطتين الأولى متعلقة بدراسة وضعية ومآل مشاريع البنية التحتية المبرمجة بالمجال الجغرافي للجماعة في إطار اتفاقيات الشراكة واتخاذ التدابير اللازمة للشروع في تنفيذها. دراسة وضعية المداخيل الذاتية للجماعة في الستة أشهر الأولى للسنة المالية، وتقديم عرض شامل حول الاستراتيجية المتبناة والاستشرافية للرفع من منسوبها، والثانية بخصوص وضعية المداخيل الذاتية للجماعة في الستة أشهر الأولى للسنة المالية، وتقديم عرض شامل حول الاستراتيجية المتبناة والاستشرافية للرفع من منسوبها، وهما نقطتين لا يتوفر فيهما لا عنصر الاستثناء أو لا عامل الاستعجال ولا يستدعيان حتى إحداث كل هذه البلبة وما ينتج عنها من هدر للزمن السياسي. ما صدر عن 47 مستشارا ومستشارة بجماعة مكناس لا يعدو أن يكون لعب “دراري” وعبث سياسي بكل ما تحمله الكلمة من معنى وسلوك لا يليق حتى بالمبتدئين في عالم السياسة فما بالك ببعض الأسماء التي اعتبرت حتى وقت قريب عنوانا للتريث والرزانة السياسية، وسجل تاريخها حافل بالمواقف المشرفة، اليوم نراها وقد بدأت تهوى الى الدرك الأسفل من الانحطاط السياسي في مشهد عصي على الإدراك والتقبل.
ولكي يفهم المواطن المكناسي ما يدور في جماعته لا بد أن نضع هذه “الزوبعة في فنجان” في سياقها الطبيعي حتى يدرك أن ما قام به السادة والسيدات المستشارون ليس لسواد عيونه بل لمصلحة يُضمرها كل واحد منهم بحسب طموحه السياسي.
فالقضية وما فيها لها ارتباط وثيق بما حدث بين الرئيس باحجي والمنعشين العقاريين بمكناس عندما طلبوا لقائه لحل بعد الاشكالات العالقة المتعلقة بقطاع الاستثمار العقاري وانعكاسه على تنمية المدينة، لينسحبوا بعد ذلك من الإجتماع بحجة أن الرئيس تأخر عن الموعد بربع ساعة، الأمر الذي يفيد أن موضوع اللقاء في الأصل كانت له خلفيات أخرى غير المصلحة العامة التي ما فتئت هذه الجمعية تطبل بها في كل وقت وحين، لأنه فعلا لو كان اللقاء يشكل أهمية بالغة لانتظروا ساعة وأكثر. الأمر الثاني الذي يدعو الى الريبة هو أن الاجتماع كان سيعقد بين مكتب جمعية المنعشين العقاريين ورئيس الجماعة ليتفاجئ هذا الأخير بأنه سيجتمع مع أكثر من 60 منعشا عقاريا مصحوبين بصحفيين ومراسلي جرائد وطنية ومحلية وهو ما تقبله بصدر رحب وبدون تحفظ، أما أن تنسحب من الاجتماع بهذه الطريقة فهذا يعني أن في الأمر شيء من “إن” وأخواتها.
في حقيقة الأمر الدعوة الى عقد دورة استثنائية في مثل هذا السياق هو منتهى الافلاس السياسي الذي أبان عنه مستشارو الجماعة، وعبث سياسي ما بعده عبث، شكل مفضوح للوي ذراع الرئيس وفرض سياسة الأمر الواقع عليه من أجل الرضوخ لمطلب المنعشين العقاريين وبالتالي تمرير ما مجموع 40 ملفا لم تتم معالجتها عبر المنصة الإلكترونية من بين 500 ملفا تم تأشير عليها جميعها بعد اسيفائها للمساطر القانونية المعمول بها في هذا الإطار، وأن باقي الملفات العالقة (40) ليس للجماعة أية يد في تعطيلها لا من بعيد ولا من قريب.
وحتى يفهم المكناسيون ماذا يجري بالضبط ونترك لهم حرية الحكم لا بد أن نكشف لهم الحقيقة هو أن هيئة المهندسين المعمارين بمكناس سبق وأن قامت بتوقيف أحد أعضائها بعدما وقع على تصاميم 40 ملفا موضوع الخلاف والعالقة بالمنصة الإلكترونية، ولم تعين خلفا له ليتحمل مسؤولية مراجعة التصاميم وتحينها، وحتى لا تتعطل مصالح المنعشين العقاريين ارتأوا أن تقوم الجماعة بمعالجة هذه الملفات من خلال تأشيرة الرئيس أو من ينوب عنه على اعتبار قرار توقيق المهندس المذكور سبق تاريخ تفويض نائب الرئيس. وهو المقترح الذي لم يقبله الرئيس لتكون النتيجة دعوة بعض المستشارين الموالين للمنعشين العقاريين باقي زملائهم للضعط على الرئيس وعقد دورة استثنائية لمناقشة نقطتين بلا أهمية. فهل يوجد أكثر من هذه جعجعة في فنجان؟
اليوم أصبح جليا أن من يوقف حال مدينة مكناس ليس الرئيس بل هي أنانية البعض ورغبتهم في الوصول الى المكاسب ولو على حساب مستقبل المدينة ومصلحة ساكنتها، اختلفنا مع الرئيس حول طريقة تسبيره أو اتفقنا معه فهذا لا يعطينا الحق أن نستغل صفتنا كمستشارين جماعيين لنحقق بها اهداف ومرامي غيرنا. نفهم أن كثيرا ممن وقعوا على العارضة لا يعون خطورة الموقف لكن لا يجب أن ينسوا أن التاريخ سيسجل المواقف الإيجابية منها والسلبية فطوبى لمن كانت مواقفه لصالح المدينة وأهلها، وخسئ من سار في درب المصالح الشخصية الضيقة.