متابعة | هيئة التحرير
“شكون قال لهاد الصحافة تجي؟”.. لم تكن هذه العبارة مجرد تساؤل عابر، بل جاءت كصك إدانة صريح وتجسيد حي لعقلية سلطوية بائدة، تلفّظ بها باشا باشوية إكزناية في وجه جسم صحفي لم يقترف أي جرم، سوى القيام بمهامه المهنية والوطنية. ففي الوقت الذي كانت فيه القلوب تتجه نحو مركز الإيواء لاحتضان المواطنين النازحين من مدينة القصر الكبير، ممن شرّدتهم الفيضانات، اختار هذا المسؤول أن يشهر منطق العداء في وجه من حضروا لنقل الصورة الحقيقية لمجهودات الإيواء والتدابير المتخذة، ضاربا عرض الحائط بقيم التعبئة الوطنية التي تقتضي تكامل الأدوار بين السلطة والصحافة، خصوصا في لحظات الأزمات.
هذا السلوك غير المسؤول يطرح تساؤلات حارقة حول مدى استيعاب بعض رجال السلطة للمفهوم الجديد للسلطة الذي تتبناه الدولة، إذ يبدو أن هذا الباشا، المعروف بمواقفه العدائية المتكررة تجاه الصحافة، لا يزال ينظر إلى الكاميرا والقلم باعتبارهما تهديدا مباشرا لـ”مملكته” الخاصة. والصحفيون يدركون جيدا خلفيات هذا التحامل الممنهج؛ فمن يخشى حضور الإعلام، يخشى بالضرورة تعرية واقع يُفضّل أن يبقى خلف الستار، حيث تُنهب رمال شاطئ هوارة على مرأى من أعين السلطة، وتُستنزف الغابات بقطع أشجارها في واضحة النهار، وهي ملفات ثقيلة يبدو أن الباشا يفضّل إبعادها عن الأضواء عبر ترهيب الصحفيين ومنعهم من توثيق ما يجري داخل نفوذه الترابي.
وجدير بالتذكير أن رجل السلطة الحقيقي، في مواجهة الأزمات الإنسانية والفيضانات، مطالب بالتحلي برباطة الجأش والحكمة، لا بأن يتحول إلى مصدر للتوتر والقمع الإداري. فبدلا من توفير الظروف الملائمة للصحفيين قصد نقل مجهودات الدولة وطمأنة الرأي العام، اختار الباشا منطق “الضيعة الخاصة”، متوهما أن سنتين من تقلده لمهامه في قلب إكزناية تخوّل له صلاحية تحويل المنطقة إلى ملكية خاضعة لمزاجه الشخصي. والحال أن مهام الإيواء والتعبئة الوطنية هي أمانة مهنية وأخلاقية، والصحافة جزء لا يتجزأ من هذه المنظومة، وأي محاولة لعزلها ليست سوى اعتراف ضمني بوجود اختلالات في التدبير يخشى المسؤول انكشافها أمام العموم.
إن ما حدث اليوم في إكزناية لا يمكن اعتباره حادثة منع عابرة، بل هو نموذج صارخ لفشل مسؤول في تدبير لحظة دقيقة. فالسلطة التي تخشى الشفافية هي سلطة تعاني من عقدة مزمنة تجاه القانون والمساءلة. فهل يعتقد هذا المسؤول أن الصراخ في وجه الصحفيين كفيل بحماية ملفات نهب الرمال واستنزاف الحطب من المحاسبة؟
إن الواجب يقتضي أن يعي أمثال هؤلاء أن زمن “الباشا المتسلّط” قد ولّى، وأن إكزناية ليست ضيعة خلفية لأحد، بل جزء من وطن لا تُهان فيه كرامة الصحافة، ولا تُستباح ثرواته تحت أي غطاء، ولو كان غطاء السلطة.