بقدر ما يرى البعض أن حراك الريف يهدد استقرار البلاد وأمنها ويقودها نحو مصير مجهول، بقدر ما هو في حقيقة، منعطف إيجابي لكشف عورات سياسات عامة، تأكد فشلها حتى يتسنى تدارك مساراتها السلبية ما ظهر منها وما بطن، القائمة منها والمحتملة، والسعي نحو تخليص المواطنين من معاناتهم الناجمة عن تداعيات تطبيقها وممارساتها الخاطئة التي أضرت بحقوق الفرد، وبثروات المجتمع ومكوناته، وأضرت في نفس الوقت بالحياة العامة، وعمقت من الشرخ الاجتماعي .
فحراك الريف الذي انطلق كردة فعل طبيعية على الإقصاء والتهميش الذي عانت من ويلاته المنطقة منذ عقود، استطاع أن يبرز هزالة سلطة القمع والفساد الذي تتحكم في البلاد والعباد، خاصة عندما يسعى بعض المسؤولين الى تَجييش من يَنتقدُ هذا الحراك، إما بالتخوين و إما بالشيطنة، واستخدام عبارة “زعزعة الاستقرار” للتخويف من أي تغيير جديد، ولضمان الخضوع والاستسلام للأمر الواقع، وقمع حرية التعبير بعد خروجها من بين الجدران إلى حيز العلن.
فكما أن الاستقرار لا يمكن تحقيقه بالقمع والغطرسة وتجاهل حاجات الناس وتطلعاتهم المشروعة، كذلك القمع لم يكن في يوم من الأيام وسيلة لجلب الاستقرار وحفظه. بمعنى أن هبة السلطة عموما ليست بترويع الناس، ولكن بتأمينهم وكف الظلم عنهم، وأخذ الحق للضعيف، فيرتعد القوي، ويأمن الضعيف، ويعتصم الناس بالدولة، بدلا من أن يعتصموا منها.
فحتى وإن فشل بعض الساهرين على تطبيق السلطة في تدبير ملف حراك الريف بالحكمة والتبصر الواجبين، فإنهم نجحوا في تحطيم تماسك فئات المجتمع فيما بينهم داخل الدولة، من جهة، وفيما بينهم وبين السلطة من جهة أخرى، وبين مؤسسات هذه السلطة من جهة ثالثة، بمعنى استطاعوا فعل ما استعصى على المستعمر الفرنسي تحقيقه عندما أقر بالظهير البربري لتفرقة المغاربة، معتقدين أن منطق استثمار حالة الفوضی التي تعيشها دول عربية كسوريا وليبيا والعراق واليمن وغيرهم ستمكنهم أولا، من إعطاء الشرعية للتراجعات التي تعرفها الدولة علی مستوی الحقوق والحريات، وثانيا، من تبرر تعطيل الإصلاحات التي تم وعد المواطنين بها، مستخدمين بذلك قبضتهم الأمنية لإسكات الأصوات المزعجة بذريعة المحافظة علی الأمن والاستقرار، معتقدين أن زهو القوة وخيلاءها وأوهامها، هو الكفيل بتحقيق هذا الإستقرار.
فكم من دولة تمتلك كل مظاهر القوة المادية، إلا أن استقرارها هش وضعيف، ومع أي أزمة، تجد التداعي والاهتراء، في المقابل، تجد دولاً تفتقر للحد الأدنى من القوة، إلا أن استقرارها صلب ومتين، وقادرة بإمكاناتها الذاتية على مواجهة الأزمات ومقاومة المؤامرات، وحفظ الاستقرار والأمن العامين، خصوصا مع استحضار المصلحة العامة والعمل بمنطق الحكامة الأمنية. ولعل ما كشفت عنه جريدة الأسبوع بخصوص الاستشارات التي أجريت على المستوى الأمني من أجل التعامل مع الاحتجاجات في الحسيمة، يوضح بجلاء التباين الصارخ في وجهة نظر المسؤولين الآمنين في التعاطي مع هذا الوضع، بين من يتبنى الطرح القمعي لإخمادها معتمدا في ذلك على التقارير الاستخباراتية التي أدانت نشطاء الحراك الحراك بالانفصال والعمالة لصالح جهات أجنبية، قبل أن يقول القضاء كلمته، وبين من يفضل التأني والرُوِّيَّة والاكتفاء بالتتبع عن كثب طالما أن المحتجين اتخذوا السلمية شعارا لهم.
و هنا وجب استحضار موقف جهاز قيادة الدرك الملكي، الذي كان ضد استعمال الآلة القمعية لردع المحتجين، وربما هذا الموقف هو من خفف من حدة تقديرات أجهزة الداخلية. ولعل هذا التضارب سواء في المعطيات أو التقديرات هو الذي يفرض علينا طرح السؤال حول الدوافع التي تتحكم في عقلية بعض الأمنين؟ ولماذا كلما طرأ حدث أو أزمة ما، إلا ويتم ربطها بجهات خارجية مناوئة بمساعدة من أبناء الوطن ممن يسعون لنيل من استقراره. بمعنى أن كل المشاكل والمصاعب التي ألمت بنا سببها الرئيسي “الخارج” بتواطئ مع بعض العملاء من الداخل ممن يخدمون أجندات جهات معادية للمغرب. فهل بمنطق المؤامرة وثقافة التآمر، يمكن استباحة العنف وشرعنته لمواجهة الأخطار؟ ولماذا كلما برز حدث غريب أو مستجد لا سابق له في المجتمع المغربي، إلا ويتم التصدي له، على أساس أنه من تدبير جهات خارجية، ويخرج علينا مسؤولون وفاعلون سياسيون ومحللو الدولة بتصريحات يزعمون خلالها أنها بفعل أيادي أجنبية ترعى وتدعم الواقفين وراءه من الداخل دون حجة أو دليل؟
فإذا كنا فعلا نتعرض لمؤامرات خارجية ومخططات أجنبية عدائية، فهذا ليس مبررا لشرعنة القمع والتنكيل، لأن عقلية المؤامرة لا تَهزم المؤامرة وإنما تَخدُمها، وبالتالي لا يمكن تبرير تضييق هامش الحريات أو الحرمان من الحقوق بدعوى وجود مؤامرات، سواء حقيقية كانت أو وهمية. كما أن الاستبداد واستعمال آلة القمع لم يكونا يوما مسكنا لآلام التغيير، بل حلا مؤقتا للفوضى لا غير. ومفروض على الجميع أن يعي أن التهديد الحقيقي، ليست المؤامرات الخارجية كما يضن البعض، إنما الاختلالات البنيوية الداخلية الناتجة عن سوء توزيع الثروات، واستمرار اقتصاد الريع، والامتيازات وتخريب القطاع العمومي، وأن اعتماد منطق المؤامرة، ما هو إلا مبرر يتبناه بعض المسؤولين في دواليب الدولة إما لطمس المسؤولية أو التغطية على الفشل، وإما لحجب رؤية الواقع كما هو، وتجنب تحمل تبعات الأخطاء والنواقص.
فما وقع في الحسيمة لأزيد من ستة أشهر يتحمل المسؤولية فيه السياسي قبل الأمني، أولا لأن السياسي لم يستحضر المصلحة العليا للوطن في معالجة الأزمة، ولم يتعامل مع ساكنة الريف على قدم المساواة على أنهم مواطنين وليسوا ناخبين حتى يغلبوا مصلحة الوطن على مصلحة الحزب، وثانيا لأن الأمني زاد من تعميق الشرخ بين أبناء الوطن الواحد، فما دورهما معا إذن إن كان مع كل أزمة سنضطر لانتظار غضبة ملكية حتى يأتي الفرج.