متابعة ا هيئة التحرير
شهدت العاصمة الإسبانية مدريد حدثا دبلوماسيا بارزا تمثل في حضور وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، لاجتماع بالسفارة الأمريكية، وهو الحضور الذي شكل انتصارا دبلوماسيا واضحا للمغرب بعد سنوات من التوتر مع النظام العسكري الجزائري وغياب التواصل الدبلوماسي مع إسبانيا.
وقد أتاح اللقاء الاطلاع على مضامين الصيغة المحينة لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء، التي قدمها وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، بحضور مستشاري الرئيس الأمريكي السابق ترامب، والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، ووزير الخارجية الموريتاني، والمبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا.
وبحسب مراقبين، ظهر وزير الخارجية الجزائري شاحب الوجه عند وصوله إلى مدريد، وعاد إلى الجزائر بنفس الملامح المتعبة والكئيبة، وفي اليوم التالي، ظهر رفقة الرئيس تبون وعلى ملامحه علامات الإحباط، وذلك بعد أن خضع، وفق ما ذكر معارض جزائري، لمسائلة مباشرة من قبل المخابرات الجزائرية عند وصوله إلى مطار الجزائر حول مضمون ما قدمه المغرب وما دار في الاجتماع.
وكشفت صحيفة “أتالايار” الإسبانية أن المغرب عرض خلال الاجتماع وثيقة موسعة ومفصلة، تمتد على نحو أربعين صفحة، تشكل تطورا نوعيا مقارنة بالنسخة السياسية العامة لمبادرة 2007، إذ صاغت بلغة قانونية دقيقة قابلة للإدماج الدستوري والتنزيل المؤسساتي.
وتحدد الوثيقة الجديدة توزيعا واضحا للاختصاصات بين الدولة المركزية والجهة المقترحة للحكم الذاتي: تحتفظ الدولة بالمهام السيادية الحصرية مثل الدفاع، الأمن، السياسة الخارجية، العملة والجنسية، فيما تُمنح الجهة صلاحيات واسعة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التخطيط الترابي، الصحة، التعليم، البيئة والبنيات التحتية، مع إمكانية سن قواعد تنظيمية ملزمة ضمن نطاق اختصاصها.
كما يتضمن المشروع إنشاء برلمان جهوي منتخب مباشرة، مع تمثيل للقبائل الصحراوية وضمان تمثيلية نسائية، يتمتع بصلاحيات تشريعية في مجالات اختصاصه، مع استمرار تمثيل الجهة على المستوى الوطني. ويقترح إنشاء مجلس اقتصادي واجتماعي وبيئي بصفة استشارية، وتعيين رئيس الحكومة الجهوية وفق آلية دستورية تمكّنه من إدارة الشؤون التنفيذية ومساءلته أمام البرلمان الجهوي.
على الصعيد القضائي، نص المشروع على محاكم جهوية تطبق القوانين باسم الملك، مع آليات لتسوية النزاعات وإمكانية الطعن أمام المحكمة العليا الوطنية في القضايا الدستورية. كما أقرت الوثيقة نظاما ماليا يعتمد على موارد محلية وعائدات استغلال الموارد الطبيعية وحصة من المداخيل الوطنية، مع رقابة محكمة الحسابات وإحداث صندوق تضامن وطني.
وتشمل آليات المرحلة الانتقالية تنظيم عودة سكان مخيمات تندوف عبر لجنة دائمة للتحقق من الهوية، وبرنامجا لإعادة الإدماج ونزع السلاح مع عفو منظم باستثناء الجرائم الدولية. ويشير المشروع إلى أن صيغة الحكم الذاتي ستعرض على استفتاء وطني لجميع الناخبين المغاربة، وتدرج في الدستور مع ضمانات بعدم تعديلها إلا بأغلبية معززة، مع آليات تقييم كل خمس سنوات وبند صريح يمنع أي تفسير يؤدي إلى حق الانفصال.
وتخلص الصحيفة إلى أن تقديم هذه الصيغة الموسعة يعكس حرص المغرب على ترسيخ الحكم الذاتي ضمن إطار قانوني ودستوري متقدم، لتشكيل قاعدة تفاوضية جديدة في المسار الأممي نحو حل سياسي نهائي ومتوافق عليه للنزاع على أساس سيادة المغرب.