بقلم | الدكتور حميد النهري
في قراءة نقدية عميقة لواقع الجامعة المغربية وما تعيشه من غليان مهني، فكك الأستاذ حميد النهري، أستاذ بجامعة عبد الملك السعدي ورئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية، خلفيات الإضراب الوطني الذي خاضه الأساتذة الجامعيون يومي 3 و4 مارس الجاري، معتبرا أن المعركة النضالية الحالية تتجاوز المطالب المادية لتكشف عن خلل بنيوي في ترتيب أولويات السياسة العمومية بالمملكة.
ويرى النهري أن تنفيذ قرار اللجنة الإدارية للنقابة الوطنية للتعليم العالي بالاحتجاج، يأتي كرد فعل طبيعي على تمرير القانون “المشؤوم” 59.24 الذي صيغ بشكل انفرادي دون إشراك الفاعل النقابي، مما يهدد استقلالية وجودة التكوين الأكاديمي، في وقت يفترض فيه أن تكون الجامعة هي القاطرة الحقيقية لاقتصاد المعرفة.
ويسلط حميد النهري الضوء على مفارقة ضريبية صارخة تعكس “سخاء انتقائيا” للدولة؛ فبينما يقابل مطلب إعفاء تعويضات البحث العلمي من الضريبة بالرفض المستمر بدعوى الحفاظ على التوازنات المالية وغياب الهوامش، تكشف المدونة العامة للضرائب لسنة 2026 عن وجه آخر للسياسة المالية يتسم بالتدليل المفرط لقطاع الرياضة.
ويستشهد النهري بالمادة 247 التي تمنح الرياضيين المحترفين امتيازات خيالية تصل إلى خصم 90% من الوعاء الضريبي سنة 2026، لتنخفض تدريجيا في السنوات اللاحقة، مما يعني أن دخلا قدره 100 مليون سنتيم لـ”نجم كروي” يخضع للضريبة على 10 ملايين فقط، بينما يظل الأستاذ الباحث محاصرا بضريبة كاملة على تعويضات بحثه العلمي وفق المادة 60، وهو ما يصفه النهري بسياسة عمومية “كاريكاتورية” تضع جامعة فقيرة مضربة في مواجهة رياضة غنية مدللة ضريبيا.
وفي سياق رهان المغرب على استراتيجية الذكاء الاصطناعي “Maroc IA 2030″، يرى رئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية أن الخطاب الرسمي يروج لـ”ذكاء اصطناعي بلا جامعة”، من خلال التركيز الكلي على تحفيز الشركات الناشئة (Startups) وتغييب المختبرات الجامعية التي هي المهد الحقيقي للابتكار في التجارب الدولية الرائدة كالصين والولايات المتحدة.
ويؤكد النهري أن تخصيص نسبة لا تتجاوز 1% من الناتج الداخلي الخام للبحث العلمي، مع حرمان الأساتذة من أبسط التحفيزات الضريبية، يجعل من المستحيل بناء منظومة خوارزميات متقدمة بجامعة منهكة نضاليا ومنشغلة بانتزاع شروط عيش دنيا.
ويخلص حميد النهري إلى أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في تمويل الرياضة أو المقاولات الناشئة بحد ذاتهما، بل في تغييب الرؤية الاستراتيجية التي تمنح الأولوية لما يبني القدرة المعرفية للأمة على المدى الطويل. فبينما يفتح باب السخاء المالي والضريبي على مصراعيه لتلميع الصورة العالمية للمملكة خلال أسابيع المونديال، يغلق الباب نفسه أمام الجامعة المغربية، مما يضع الدولة أمام تساؤل حارق: هل نبحث عن “بهجة عابرة” أم عن نهضة علمية مستدامة؟ إن الجواب الذي تقدمه السياسة الضريبية الحالية يؤكد، للأسف، أن الجامعة تظل الحلقة الأضعف في مشاريع “أفق 2030”.