الجريدة | هيئة التحرير
يبدو أن شعارات الحكامة الجيدة والديمقراطية التشاركية التي يتشدق بها مؤتمر منظمة المدن والحكومات المحلية المتحدة (CGLU) بطنجة، قد تخرمت وتبخرت عند أول اختبار حقيقي للجنة التنظيمية المحلية؛ حيث يواجه المسؤولون المغاربة المكلفون بالملف اللوجستيكي والتواصلي اتهامات ثقيلة بالاستخفاف الممنهج بالجسم الصحفي الوطني، وتحويل تظاهرة دولية بهذا الحجم إلى مجرد لقاء “برستيج” معزول عن محيطه.
ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه تأسيس إستراتيجية تواصلية تواكب هذا الحدث العالمي الذي يجمع آلاف القادة والمسؤولين من مختلف بقاع العالم، صدم الإعلاميون والفعاليات المحلية بأسلوب تدبيري بدائي يعتمد سياسة إرسال الدعوات في آخر لحظة وآخر رمق. هذا الارتباك الفاضح لم يكن مجرد هفوة تنظيمية عابرة، بل عكس عقلية بائدة لا تزال ترى في الصحافة مجرد أداة لتأثيث المنصات والتقاط الصور البروتوكولية، عوض التعامل معها كسلطة رابعة وشريك إستراتيجي في نقل ونقد النقاشات العمومية الحيوية.
ولعل النقطة التي أفاضت الكأس وأثارت ريبة وتساؤلات الشارع الطنجي والمغربي، هي الهندسة المالية المريبة لكواليس التنظيم؛ حيث في الوقت الذي غابت فيه بشكل تام أي ميزانية ترويجية أو إشهارية تدعم الهوية التسويقية للقمة وتشرك الرأي العام في محاورها، تم فتح صنابير المال العام بسخاء لتغطية مصاريف الفنادق الفاخرة، وحفلات الاستقبال الباذخة، ولوجستيك “البرستيج” الموجه لإرضاء الوفود الأجنبية. هذا التناقض الصارخ يدفع وبقوة نحو طرح علامات استفهام حارقة: هل يتعمد المنظمون المحليون نهج سياسة التعتيم وإقصاء الأقلام الناقدة لضمان عدم نبش الفواتير الحقيقية وكلفة هذه اللقاءات المغلقة؟
فما يجهله، أو يتجاهله، الساهرون على تنظيم هذا الملتقى هو أن نجاح أي تظاهرة دولية أو فشلها الذريع لا يقاس بنوعية السجاد الأحمر أو فخامة قاعات العرض، بل يظل رهينا بالزخم الإعلامي والمواكبة الصحفية الاحترافية التي تصنع الإشعاع الحقيقي. فبدون تغطية إعلامية جادة ومبكرة، يتحول المؤتمر إلى جزر معزولة بلا صدى، وتنتهي مفاعيله بمجرد إقلاع طائرات الوفود، وهو ما يضيع على مدينة طنجة فرصة ذهبية للتسويق الترابي والسياسي، ويسيء لجاهزية المغرب التواصلية في وقت يستعد فيه لتنظيم تظاهرات قارية وعالمية كبرى.
كما يضع هذا التخبط التدبيري كفاءة المسؤولين المغاربة المشرفين على قمة طنجة في قفص الاتهام؛ لأنه من غير المقبول أخلاقيا وتدبيريا تسويق قيم الشفافية والإدماج للوفود الأجنبية، بينما تمارس على أرض الواقع أبشع صور الإقصاء والارتجالية في حق الصحافة المحلية والوطنية، مما يستدعي تدخلا عاجلا من الجهات الرقابية لفتح علبة التنظيم السوداء ومحاسبة العابثين بالصورة الإشعاعية للمملكة.