من غير المنصف التعاطي مع فحوى الزيارات الملكية إلى المدن واختزالها باعتبارها رمزية من سياقات محددة في الزمان والمكان، فالزيارات لا شك تتضمن ذلك وأبعد من ذلك أيضا، واختيار الزمان والمكان غالبا ما تكون الغاية منه بعث إشارات للمسؤولين المحليين من أجل إعادة النظر في أساليب التدبير المعتمدة في حالة عدم نجاعتها، أو من أجل بذل جهود إضافية لخلق تنمية شاملة تنعكس على المواطن وعلى محيطه.
دأب الجالس على العرش، منذ سنة 1999، على القيام بزيارات إلى مختلف مناطق المملكة من أجل إطلاق عدد من المشاريع التنموية والاستراتيجية، وما فتئ جلالته يؤكد حرصه الدائم المتمثِل في التتبع المواكب والقريب لكل ما استُحدثَ أو أنشأ برعايته على كافة المستويات. وحتى وإن تتعدد مقارباتها، من الرمزي، إلى الاقتصادي، إلى السياسي، فهذه الزيارات قابلة للقراءة، سواء من جوانب الترميز أو من جوانب التدليل المادي والتحليل السياسي، وآلية من آليات تسيير الشؤون المحلية. لذلك غالبا ما تشكل هذه الزيارات ضغطا على مختلف الأجهزة والسلطات المحلية، ومناسبة لإقالة بعض المسؤولين، أو توبيخهم، إما بسبب التقصير في اتخاذ بعض الإجراءات، أو البطء في سير بعض الأشغال، أو التأخر في إنجاز بعض المشاريع. وقد يدخل إحجام الملك في بعض الأحيان عن زيارة مدينة ما، كان قد ألف المقام بها في باب التوبيخ وعدم الرضى على مسؤوليها، كما هو الحال بالنسبة لمدينة طنجة التي أصبحت مدينة عبور بعد أن كانت حتى وقت قريب الواجهة المفضلة لجلالته، فهل هي غضبة ملكية غير معلنة على مسؤولي هذه المدينة بسبب إخفاقاتهم في تدبير الشأن المحلي؟
صحيح لا يختلف اثنان أن مدينة البحرين عرفت خلال السنتين الماضيتين تراجع في مؤشرات التنمية بسبب عدم ملائمة التدابير المتخذة مع متطلبات الواقع ومدى قدرتها على التكيف مع الطوارئ أو التغيرات، ووجود محيط غير قابل للفعل فيه وملغوم بعوائق قاتلة، والبناء على فرضيات خاطئة أو ناقصة لعدم وفرة معطيات دقيقة كمية ونوعية حول الواقع، خصوصا على المستوى الميكروترابي، بدليل تعثر عدد من البرامج وعدم تحقيق أخرى للنتائج المرجوة منها، والنموذج على ذلك الإختلالات التي شابت تنزيل عدد من المشاريع الإستراتيجة التي كان يُراهن عليها لجعل المدينة قطبا اقتصاديا وسياحيا وثقافيا، من ضمنها المسرح الكبير، ومشروع تهيئة كورنيش المدينة الذي سرعان ما انقشعت عيوبه، بالإضافة إلى مشاريع أخرى لا زالت وثيرة إنجازها جد بطيئة، كبرنامج تأهيل وتثمين المدينة العتيقة الذي تعول عليه عاصمة البوغاز، لإنقاذ وتثمين موروثها الثقافي والمساهمة في الإقلاع السياحي والتنموي، وتكريس مكانتها البارزة ضمن المدن العالمية المصنفة.
فغياب المعطيات المتداولة بخصوص هذا البرنامج الذي حضي بالعناية المولوية يعطي الانطباع على أن السلطات فشلت في تنزيله وفق ما اتفق عليه وألتزم به، خاصة على المستوى التقني وعلى مستوى النجاعة والجودة وتناسب الترميمات المنجزة مع القيمة التاريخية للأسوار والأزقة والدور التاريخية. فغياب تصاميم مسبقة، وبناء عدد من المنازل القديمة بشكل لا يحترم حمولتها التاريخية مع عدم استحضار الطابع التقليدي والتاريخي والفني من ضمن المؤاخذات التي تلاحق هذا الملف، زد على ذلك البطئ الكبير والارتباك في الانجاز الأشغال الذي يعزيه كثيرون إلى اعتماد السلطات على مقاولات غير مهنية لا يربطها بمجال الترميم والتأهيل سوى الخير والإحسان، وهو ما نتج عليه هدر المال العام. اليوم نساءل السلطات عن المعايير التي تم بها اختيار هذه المقاولات، وهل جاء الاعتماد على مقاولات من خارج طنجة صدفة أم بفعل فاعل؟ وهل تخضع هذه المقاولات لدفتر تحملات مضبوط أم لمنطق “كور واعطي العور”؟ نقول هذا ليس من باب “الطنز” ولكن لما تتم معاينته على ارض الواقع، فالمقاولة المهنية المختصة في ترميم وتأهيل الأماكن التراثية لن تتجرئ على إزالة “زليج” ذو قيمة تاريخية وتعوضه بأخر إلا إذا أخطرت بذلك أو دفعت الضرورة لذلك، كأن تكون الغاية ليس وضع “زليج” جديد مكان القديم، ولكن اقتلاع القديم وترحيله دون أن يمر عبر المحجز واعتباره من المتلاشيات، هذا دون الحديث عن الأبواب الخشبية التي لم تقوى على مقاومة جو طنجة الرطب. فأين نحن من تأهيل المجال العمراني، وترميم وتأهيل التراث وأماكن التاريخية وتقوية الجاذبية السياحية والاقتصادية للمدن العتيقة؟
الأكيد أن وراء كل ما يقع مستفيد من هذا الارتجال، لكن السؤال الأهم هو من المسؤول على هذا الارتجال؟ فلأن المسؤولية تقاس بالنجاح والإخفاق، يمكننا القول أن فترة ولاية امهيدية طغت عليها الإخفاقات أكثر من النجاحات هذا إن كان من النجاحات ما يذكر، ليس في برنامج تثمين المدينة العتيقة فقط، ولكن أيضا في قطاع الإنعاش العقاري، وكيف تم في عهده اكتساح المجال الغابوي وسقوط أخر أعمدة المقاومة أمام تعنت مافيا العقار وتجبرها لتستبيح الغابة وتستسلم لزحف الاسمنت المسلح.
اليوم لا مجال للمقارنة بين فترة ولاية محمد امهيدية وسلفه محمد اليعقوبي، فبقادر ما كانت فترة الأخير حبلى بالانجازات عرفت خلالها مؤشرات التنمية ارتفاعا ملحوظا، بقدر ما شهدت مرحلة الوالي الحالي نكوصا واضحا راجع أساسا إلى غياب الثقة بين كل المتدخلين في تهيئة مناخ التنمية المحلية وأبعادها المختلفة وببلورة سياسات متوسطة المدى قادرة على التصدي للمتغيرات والحاجات المتزايدة للمدينة؟
ومن اجل تفادي غضبة ملكية، سلطات طنجة مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى، بالانفتاح أكثر على كل الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والإعلاميين ومجتمع مدني حقيقي -وليس صوري كالذي عندما يُطلب منه التزكية لا يمانع- بفتح قنوات للحوار الجاد وابتكار توليفة قادرة على إخراج المدينة من سبات دام لأزيد من سنتين. فهل تملك السلطات الشجاعة لتعترف بعجزها في الحفاظ على صيرورة التنمية التي بدأت مع انطلاق مشاريع طنجة الكبرى، أم ستدس رأسها في الرمال خشية مواجهة الحقيقة؟