مقال رأي | حاتم الطالبي
يجمع المراقبون داخل المغرب وخارجه على أن اسم فوزي لقجع أصبح مرادفا للتحول العميق الذي عرفته كرة القدم الوطنية خلال العقد الأخير، ليس فقط على مستوى النتائج، بل على مستوى الرؤية والهيكلة والتخطيط الاستراتيجي، فمنذ توليه رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم (FRMF) سنة 2014، بصم لقجع مسارا استثنائيا عنوانه الأبرز هو من التسيير التقليدي إلى التدبير العصري المهيكل.
منذ اللحظة الأولى، تعامل لقجع مع الكرة المغربية بعقلية رجل دولة، فاختار مدخل الإصلاح البنيوي بدل الحلول الظرفية. أعاد هيكلة المنظومة الكروية من القاعدة إلى القمة، عبر مشاريع تأهيل البنيات التحتية، وتحديث أساليب التسيير، وإحداث مراكز تكوين جهوية حديثة، وصولا إلى مركب محمد السادس لكرة القدم، الذي يعد اليوم من بين أفضل المراكز الرياضية في العالم. هذا المركب لم يكن مجرد منشأة رياضية، بل تجسيدا لرؤية دولة تؤمن بأن الرياضة رافعة للتنمية، ومجال لإبراز الكفاءة المغربية.
ولم تغب عن نظره أهمية كرة القدم النسوية، حيث تبنى مشروعا طموحا لتطويرها وتمكين النساء من الممارسة الاحترافية. بفضل هذا التوجه، حقق المنتخب النسوي المغربي إنجازا تاريخيا ببلوغه نهائي كأس أمم إفريقيا 2022، وتأهله إلى كأس العالم 2023 كأول منتخب عربي وإفريقي يبلغ الدور الثاني، في مشهد أكد نجاح سياسة التمكين الرياضي النسوي التي تبناها لقجع.
أما على صعيد المنتخب الوطني للرجال، فقد أعاد فوزي لقجع بناء الثقة بين الإدارة التقنية والجماهير، فكانت ملحمة قطر 2022 تتويجا لمسار طويل من العمل المنهجي والتخطيط المتقن. تأهل “الأسود” إلى نصف نهائي كأس العالم لأول مرة في تاريخ إفريقيا والعالم العربي، لم يكن مجرد إنجاز رياضي، بل حدث وطني شكّل محطة فخر للمغاربة جميعا، توجها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، بتوشيح فوزي لقجع بوسام العرش من درجة قائد بتاريخ 20 دجنبر 2022، تقديرا لمساهمته البارزة في هذا الإنجاز الرياضي التاريخي.
إشعاع لقجع تجاوز حدود الوطن، حيث يشغل مناصب عليا داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF) والاتحاد الدولي (FIFA)، ويُعتبر أحد الوجوه المغربية الأكثر تأثيرا في القرار الكروي الدولي. حنكته الدبلوماسية وخبرته المالية مكنتاه من تعزيز مكانة المغرب قاريا ودوليا، وكان من أبرز الفاعلين في ملف ترشيح المغرب المشترك مع إسبانيا والبرتغال لتنظيم كأس العالم 2030، الذي حظي بتعيينه رسميا من طرف جلالة الملك رئيسا للجنة المشرفة عليه في 16 يونيو 2023.
بعيدا عن الميدان الرياضي، يجسد فوزي لقجع صورة المسؤول العمومي العصري، الذي يجمع بين الكفاءة التقنية والرؤية الإصلاحية، مستندا إلى تجربة غنية داخل وزارة المالية، حيث عرف بدقته وصرامته وانضباطه. وقد أثبت أن الرياضة ليست ترفا، بل أداة استراتيجية لتقوية صورة المغرب عالميا، وترسيخ دبلوماسية ناعمة تجمع بين القوة والاحتراف.
لقد تحول فوزي لقجع إلى رمز وطني للنجاح المؤسسي، ورائد مرحلة جديدة من الاحتراف الرياضي المغربي، استطاع أن يربط بين السياسة العامة للدولة وتطلعات الجماهير، وأن يجعل من كرة القدم المغربية نموذجا في الحكامة والتدبير. إنه بحق رجل دولة بامتياز، وقائد مرحلة وضعت الرياضة في قلب المشروع التنموي للمملكة، انسجاما مع الرؤية الملكية السامية لجعل المغرب في مصاف الدول الرائدة قاريا وعالميا.