متابعة | هيئة التحرير
تشير المعطيات الصادرة عن منظمة الشفافية الدولية برسم سنة 2025، بحصول المغرب على 39 نقطة من أصل 100 واحتلاله المرتبة 91 عالميا، إلى تداعيات هيكلية عميقة على المشهد الاقتصادي والاجتماعي للبلاد. إن جمود الترتيب والمراوحة في وحل الفساد، بحسب توصيف جمعية “ترانسبرانسي المغرب”، لا يمثل مجرد مؤشر أخلاقي، بل هو مؤشر مباشر على ارتفاع “تكلفة الفساد” التي يتحمل المواطن والمستثمر عبئها، مما يعيق تحقيق التنمية المستدامة ويقوض تنافسية الاقتصاد الوطني.
اقتصاديا، تؤدي حالة الركود في ترتيب المغرب إلى زعزعة ثقة المستثمرين، سواء المحليين أو الدوليين، في مناخ الأعمال. فغياب الشفافية يؤدي إلى ارتفاع غير مبرر في تكاليف المشاريع العمومية نتيجة للعمولات والصفقات المشبوهة، مما يضر بجودة البنيات التحتية والخدمات العمومية. كما أن التراجعات التشريعية، وعلى رأسها سحب مشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع وتقييد دور المجتمع المدني في تقديم الشكايات بموجب القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية، يخلق بيئة غير آمنة للمستثمر النزيه، ويفسح المجال للممارسات الريعية التي تخنق المقاولات الصغيرة والمتوسطة.
اجتماعيا، يرتبط تراجع المغرب في مؤشر إدراك الفساد ارتباطا وثيقا بتقهقره في مؤشر حرية التعبير (المرتبة 120 عالميا)، مما يخلق حلقة مفرغة تعجز فيها الصحافة الاستقصائية والمجتمع المدني عن فضح بؤر الفساد في تدبير المال العام. هذا الوضع يُعمق التفاوتات الاجتماعية، إذ يتم استنزاف الموارد التي يجب أن توجه للقطاعات الحيوية كالتعليم والصحة. إن حالة الجمود في إخراج القوانين الدستورية المرتبطة بـ “تضارب المصالح” و”حماية المبلغين” تعني استمرار نزيف المال العام دون وجود آليات زجرية حقيقية، مما يرسخ الشعور بالإفلات من العقاب ويضرب في العمق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
بناء على ما سبق، يخلص التقرير إلى أن تجاوز هذه الأزمة يتطلب مقاربة شمولية تربط الإصلاح الاقتصادي بالإصلاح السياسي والقضائي. لا يمكن تحقيق إقلاع اقتصادي حقيقي في ظل ترسانة قانونية تراجعية تقيد الرقابة وتشرعن الإفلات من العقاب. إن التداعيات المباشرة لهذا الترتيب تستوجب إرادة سياسية حقيقية لتفعيل نصوص الدستور، وضمان استقلالية القضاء، وتوفير بيئة تضمن حرية الصحافة وحماية المبلغين، كسبيل وحيد لاستعادة الثقة وتحقيق عدالة مجالية واجتماعية.